وقال القاضي أبو القاسم صاعد بن أحمد في كتاب طبقات الأمم عن الكندي عندما ذكر تصانيفه وكتبه قال ومنها كتبه في علم المنطق، وهي كتب قد نفقت عن الناس نفاقاً عاماً، وقلما ينتفع بها في العلوم لأنها خالية من صناعة التحليل التي لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل في كل مطلوب إلا بها، وأما صناعة التركيب وهي التي قصد يعقوب في كتبه هذه إليها فلا ينتفع بها إلا من كانت عنده مقدمات عتيدة، فحينئذ يمكنه التركيب، ومقدمات كل مطلوب لا توجد إلا بصناعة التحليل، ولا أدري ما حمل يعقوب على الإضراب عن هذه الصناعة الجليلة، هي جهل مقدارها، أو ضَنَّ على الناس بكشف؟ وأي هذين كان، فهو نقص فيه، وله بعد هذا رسائل كثيرة في علوم جمة ظهرت له فيها آراء فاسدة ومذاهب بعيدة عن الحقيقة.
أقول هذا الذي قد قاله القاضي صاعد عن الكندي فيه تحامل كثير عليه وليس ذلك مما يحط من علم الكندي، ولا مما يصد الناس عن النظر في كتبه والانتفاع بها.
وقال ابن النديم البغدادي الكاتب في كتاب الفهرست كان من تلامذة الكندي ووراقيه حسنويه، ونفطويه، وسلمويه، وآخر على هذ الوزن، ومن تلامذته أحمد بن الطيب، وأخذ عنه أبو معشر أيضاً.
قال أبو محمد عبد اللّه بن قتيبة في كتاب فرائد الدر قال بعضهم أنشدت يعقوب بن إسحاق الكندي
وفي أربع مني حلت منك أربع ... فما أنا أدري أيها هاج لي كربي
أوجهك في عيني أم الطعم في فمي ... أم النطق في سمعي أم الحب في قلبي
فقال واللّه لقد قسمها تقسيماً فلسفياً.
أقول ومن كلام الكندي قال في وصيته وليتق اللّه تعالى المتطبب ولا يخاطر، فليس عن الأنفس عوض، وقال وكما يحب أن يقال له أنه كان سبب عافية العليل وبرئه كذلك فليحذر أن يقال أنه كان سبب تلفه وموته، وقال العاقل يظن أن فوق علمه علماً، فهو أبداً يتواضع لتلك الزيادة؛ والجاهل يظن أنه قد تناهى، فتمقته النفوس لذلك.
ومن كلامه مما أوصى به لولده أبي العباس نقلت ذلك من كتاب المقدمات لابن بختويه - قال الكندي يا بني، الأب رب، والأخ فخ، والعم غم،والخال وبال، والولد كمد، والأقارب عقارب، وقول لا، يصرف البلا؛ وقول نعم، يزيل النعم؛ وسماع الغناء برسام حاد، لأن الإنسان يسمع فيطرب وينفق فيسرف فيفتقر فيغتم فيعتل فيموت، والدينار محموم، فإن صرفته مات والدرهم محبوس فإن أخرجته فر؛ والناس سخرة، فخذ شيئهم واحفظ شيئك، ولا تقبل ممن قال اليمين الفاجرة، فإنها تدع الديار بلاقع.
أقول وإن كانت هذه وصية الكندي فقد صدق ما حكاه عنه ابن النديم البغدادي في كتابه فإنه قال إن الكندي كان بخيلاً.
ومن شعر يعقوب بن إسحاق الكندي، قال الشيخ أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري اللغوي في كتاب الحكم والأمثال أنشدني أحمد بن جعفر، قال أنشدني أحمد بن الطيب السرخسي، قال أنشدني يعقوب بن إسحاق الكندي لنفسه
أناف الذنابى على الأرؤس ... فغمض جفونك أو نكس
وضائل سوادك واقبض يديك ... وفي قعربيتك فاستجلس
وعند مليكك فابغ العلو ... وبالوحدة اليوم فاستأنس
فإن الغنى في قلوب الرجال ... وإن التعززبالأنفس
وكائِنْ ترى من أخي عسرة ... غني وذي ثروة مفلس
ومن قائم شخصه ميت ... على أنه بعد لم يرمس
فإن تطعم النفس ما تشتهي ... تقيك جميع الذي تحتسي