وقال سليمان بن حسان إن يعقوب بن إسحاق الكندي شريف الأصل بصري - كان جده ولي الولايات لبني هاشم - ونزل البصرة وضيعته هنالك، وانتقل إلى بغداد وهناك تأدب، وكان عالماً بالطب، والفلسفة، وعلم الحساب، والمنطق، وتأليف اللحون، والهندسة، وطبائع الأعداد، وعلم النجوم، ولم يكن في الإسلام فيلسوف غيره، احتذى في تواليفه حذو أرسطوطاليس، وله تواليف كثيرة في فنون من العلم، وخدم الملوك فباشرهم بالأدب، وترجم من كتب الفلسفة الكثير، وأوضح منها المشكل، ولخص المستصعب، وبسط العويص.
وقال أبو معشر في كتاب المذكرات لشاذان؛ حذاق الترجمة في الإسلام أربعة حنين بن إسحاق، ويعقوب بن إسحاق الكندي، وثابت بن قرة الحراني، وعمر بن الفرخان الطبري، وقال ابن النديم البغدادي الكاتب المعروف بابن أبي يعقوب في كتاب الفهرست كان أبو معشر، وهو جعفر بن محمد البلخي من أصحاب الحديث أولاً ومنزله في الجانب الغربي بباب خراسان ببغداد، يضاغن الكندي ويغري به العامة ويشنع عليه بعلوم الفلاسفة، فدس عليه الكندي من حسن له النظر في علم الحساب والهندسة فدخل في ذلك فلم يكمل له، فعدل إلى علم أحكام النجوم وانقطع شره عن الكندي بنظره في هذا العلم لأنه من جنس علوم الكندي، ويقال إنه تعلم النجوم بعد سبع وأربعين سنة من عمره، وكان فاضلاً حسن الإصابة وضربه المستعين أسواطاً لأنه أصاب في شيء خبره بكونه قبل وقته، فكان يقول أصبت فعوفيت، وكان مولده بواسط يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان وتوفي أبو معشر وقد جاوز المائة سنة، وقال أبو جعفر أحمد بن يوسف بن إبراهيم في كتاب حسن العقبى حدثني أبو كامل شجاع بن أسلم الحاسب قال كان محمد وأحمد ابنا موسى بن شاكر في أيام المتوكل يكيدان كل من ذكر بالتقدم في معرفة، فأشخصا سند بن علي إلى مدينة السلام، وباعداه عن المتوكل، ودبرا على الكندي حتى ضربه المتوكل، ووجها إلى داره فأخذا كتبه بأسرها وأفرداها في خزانة سميت الكندية، ومكن هذا لهما استهتار المتوكل بالآلات المتحركة، وتقدم إليهما في حفر النهر المعروف بالجعفري، فأسندا أمره إلى أحمد بن كثير الفرغني الذي عمل المقياس الجديد بمصر، وكانت معرفته أوفى من توفيقه، لأنه ما تم له عمل قط، فغلط في فوهة النهر المعروف بالجعفري وجعلها أخفض من سائره، فصار ما يغمر الفوهة لا يغمر سائر النهر، فدافع محمد وأحمد ابنا موسى في أمره واقتضاهما المتوكل، فسعى بهما إليه فيه، فأنفذ مستحثاً في إحضار سند بن علي من مدينة السلام، فوافى، فلما تحقق محمد وأحمد ابنا موسى أن سند بن علي قد شخص، أيقنا بالهلكة ويئسا من الحياة، فدعا المتوكل بسند وقالما ترك هذان الرديان شيئاً من سوء القول إلا وقد ذكراك عندي به، وقد أتلفا جملة من مالي في هذا النهر، فاخرج إليه حتى تتأمله وتخبرني بالغلط فيه، فإني قد آليت على نفسي، إن كان الأمر على ما وصف لي، أني أصلبهما على شاطئه، وكل هذا بعين محمد وأحمد ابني موسى وسمعهما، فخرج وهما معه، فقال محمد بن موسى لسند يا أبا الطيب إن قدرة الحُر تُذهب حفيظته، وقد فرغنا إليك في أنفسنا التي هي أنفس أعلاقنا، وما ننكر أنا أسأنا والاعتراف يهدم الاقتراف، فتخلصنا كيف شئت، قال لهما واللّه إنكما لتعلمان ما بيني وبين الكندي من العداوة والمباعدة، ولكن الحق أولى ما أتبع، أكان من الجميل ما أتيتماه إليه من أخذ كتبه؟ واللّه لا ذكرتكما بصالحة حتى تردا عليه كتبه، فتقدم محمد بن موسى في حمل الكتب إليه، وأخذ خطه باستيفائها، فوردت رقعة الكندي بتسلمها عن آخرها، فقال قد وجب لكما علي ذمام بَردّ كتب هذا الرجل، ولكما ذمام بالمعرفة التي لم ترعياها في، والخطأ في هذا النهر يستتر أربعة أشهر بزيادة دجلة، وقد أجمع الحساب على أن أمير المؤمنين لا يبلغ هذا المدى، وأنا أخبره الساعة أنه لم يقع منكما خطأ في هذا النهر إبقاء على أرواحكما، فإن صدق المنجمون أفلتنا الثلاثة، وإن كذبوا وجازت مدته حتى تنقص دجلة وتنصب، أوقع بنا ثلاثتنا، فشكر محمد وأحمد هذا القول منه واسترقهما به، ودخل على المتوكل، فقال له ما غلطا، وزادت دجلة، وجرى الماء في النهر، فاستتر حاله، وقتل المتوكل بعد شهرين، وسلم محمد وأحمد بعد شدة الخوف مما توقعا.