ولا يجمع أكل شيئين رديئين في يوم واحد، وإذا أكل من بعض هذه الأشياء في يوم، لم يعاود أكله في غد ذلك اليوم، فإن الأبدان إذا مرنت على أكل هذه الأشياء، ثم اضطر الإنسان إلى الإكثار من أكل بعضها، لم تنفر الطبيعة منه، فقد رأينا الأدوية المسهلة إذا أدمنها مدمن وألفها بدنه قل فعلها ولم تسهل، وهؤلاء أهل الأندلس إذا أراد أحدهم إسهال طبيعته أخذ من السقمونيا وزن ثلاثة دراهم، حتى تلين طبيعته مقدار ما يلينها نصف درهم في بلدنا وإذا كانت الأبدان تألف الأدوية حتى تمنعها من فعلها، فهي للأغذية، وإن كانت رديئة، أشد إلفاً، قال يوسف فحدثت بهذا الحديث بختيشوع بن جبرائيل فسألني إملاءه عليه، وكتبه عني بخطه، قال يوسف بن إبراهيم حدثني سليمان الخادم الخراساني مولى الرشيد، أنه كان واقفاً على رأس الرشيد بالحيرة يوماً وهو يتغدى، إذ دخل عليه عون العبادي الجوهري، وهو حامل صحفة فيها سمكة منعوتة بالسمن، فوضعها بين يديه ومعها محشي قد اتخذه لها، فحاول الرشيد أكل شيء منها فمنعه من ذلك جبرائيل، وغمز صاحب المائدة بعزلها له، وفطن الرشيد، فلما رفعت المائدة وغسل الرشيد يه، خرج جبرائيل عن حضرته، قال سليمان فأمرني الرشيد باتباعه، وأخفاء شخصي عنه؛ وأن اتفقد ما يعلمه وأرجع إليه بخبره، ففعلت ما أمرني به، وأحسب أن أمري لم يستتر عن جبرائيل لما تبينت من تحرزه، فصار إلى موضع من دار عون ودعا بالطعام فأحضر له وفيه السمكة ودعا بثلاثة أقداح من فضة فجعل في واحد قطعة منها، وصب عليه خمراً من خمر طيرناباذ بغير ماء، وقال هذا أكل جبرائيل، وجعل في قدح آخر قطعة وصب عليها ماء بثلج، وقال هذا أكل أمير المؤمنين إن لم يخلط السمك بغيره، وجعل في القدح الثالث قطعة من السمك ومعها قطعاً من اللحم من ألوان مختلفة، ومن شواء وحلواء وبوارد وفراريج وبقول، وصب عليه ماء بثلج وقال هذا طعام أمير المؤمنين أن خلط السمك بغيره، ورفع الثلاثة الأقداح إلى صاحب المائدة، وقال احتفظ بها إلى أن ينتبه أمير المؤمنين من قائلته، قال سليمان الخادم ثم أقبل جبرائيل على السمكة فأكل منها حتى تضلع، وكان كلما عطش دعا بقدح مع الخمر الصرف فشربه ثم نام، فلما انتبه الرشيد من نومه دعاني فسألني عما عندي من خبر جبرائيل، وهل أكل من السمكة شيئاً أم لم يأكل؟ فأخبرته بالخبر، فأمر بإحضار الثلاثة الأقداح فوجد الذي صب عليه الخمر الصرف قد تفتت ولم يبق منه شيء، ووجد الذي صب عليه الماء بالثلج قد ربا وصار على أكثر من الضعف مما كان، ووجد القدح الذي السمك واللحم فيه قد تغيرت رائحته وحدثت له سهوكة شديدة، فأمرني الرشيد بحمل خمسة آلاف دينار إلى جبرائيل، وقال من يلومني على محبة هذا الرجل الذي يدبرني هذا التدبير؟، فأوصلت إليه المال، وقال إسحاق بن علي الرهاوي، في كتاب أدب الطبيب عن عيسى بن ماسة أن يوحنا بن ماسويه أخبره أن الرشيد قال لجبرائيل بن بختيشوع وهو حاج بمكة يا جبرائيل علمت مرتبتك عندي،، قال يا سيدي وكيف لا أعلم؟ قال له دعوت لك واللَّه، في الموقف دعاء كثيراً، ثم التفت إلى بني هاشم فقال عسى أنكرتم قولي له؟ فقالوا يا سيدنا ذمي فقال نعم، ولكن صلاح بدني وقوامه به، وصلاح المسلمين بي، فصلاحهم بصلاحه وبقائه، فقالوا صدقت يا أمير المؤمنين، ونقلت من بعض التواريخ، قال جبرائيل بن بختيشوع المتطبب اشتريت ضيعة بسبعمائة ألف درهم، فنقدت بعض الثمن وتعذر علي بعضه فدخلت على يحيى بن خالد وعنده ولده، وأنا أفكر، فقال مالي أراك مفكراً؟ فقلت اشتريت ضيعة بسبعمائة ألف، فنقدت بعض الثمن، وتعذر علي بعضه، قال فدعا بالدواة وكتب يعطى جبرائيل سبعمائة إلف درهم، ثم دفع إلى كل واحد من ولده، فوقع فيه ثلاثمائة ألف، قال فقلت جعلت فداك، قد أديت عامة الثمن، وإنما بقي أقله، قال أصرف ذلك فيما ينوبك.
Lives of the Physicians
جبرائيل بن بختيشوع بن جورجسOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.