ولما كان بعد أيام يسيرة مات الرشيد، ولحق الفضل بن الربيع في تلك الأيام قولنج صعب أيس الأطباء منه، فعالجه جبرائيل بألطف علاج وأحسنه، فبرأ الفضل وازدادت محبته له وعجبه به، قال فثيون ولما تولى محمد الأمين، وافى إليه جبرائيل، فقبله أحسن قبول وأكرمه، ووهب له أموالاً جلية أكثر مما كان أبوه يهب له، وكان الأمين لا يأكل ولا يشرب إلا بإذنه، فلما كان من الأمين ما كان، وملك الأمر المأمون، كتب إلى الحسن بن سهل، وهو يخلفه بالحضرة، بأن يقبض على جبرائيل ويحبسه، لأنه ترك قصره بعد موت أبيه الرشيد ومضى إلى أخيه الأمين، ففعل الحسن بن سهل هذا، ولما كان في سنة اثنتين ومائتين مرض الحسن بن سهل مرضاً شديداً، وعالجه الأطباء فلم ينتفع بذلك، فأخرج جبرائيل من الحبس حتى عالجه وبرأ في أيام يسيرة فوهب له سراً مالاً وافراً، وكتب إلى المأمون يعرفه خبر علته، وكيف برأ على يد جبرائيل، ويسأله في أمره فأجابه بالصفح عنه، قال فثيون ولما دخل المأمون الحضرة في سنة خمس ومائتين أمر بأن يجلس جبرائيل في منزله ولا يُخدم، ووجّه مَن أحضر ميخائيل المتطبب، وهو صهر جبرائيل، وجعله مكانه وأكرمه إكراماً وافراً كياداً لجبرائيل، قال ولما كان في سنة عشر ومائتين مرض المأمون مرضاً صعباً، وكان وجوه الأطباء يعالجونه ولا يصلح، فقال لميخائيل الأدوية التي تعطيني تزيدني شراً، فاجمع الأطباء وشاورهم في أمري، فقال له أخوه أبو عيسى يا أمير المؤمنين نحضر جبرائيل فإنه يعرف مزاجاتنا منذ الصبا فتغافل عن كلامه، وأحضر أبو إسحاق أخوه، يوحنا بن ماسويه، فثلبه ميخائيل طبيبه ووقع فيه وطعن عليه، فلما ضعفت قوة المأمون عن أخذ الأدوية أذكروه بجبرائيل فأمر بإحضاره، ولما حضر غيَّر تدبيره كله، فاستقل بعد يوم، وبعد ثلاثة أيام صلح، فسر به المأمون سروراً عظيماً، ولما كان بعد أيام يسيرة صلح صلاحاً تاماً، وأذن له جبرائيل في الأكل والشرب ففعل ذلك، وقال له أبو عيسى أخوه وهو جالس معه على الشرب مثل هذا الرجل، الذي لم يكن مثله ولا يكون،و سبيله أن يكرم، فأمر له المأمون بألف ألف درهم، وبألف كر حنطة، ورد عليه سائر ما قبض منه من الأملاك والضياع وصار إذا خاطبه كناه بأبي عيسى جبرائيل وأكرمه زيادة على ما كان أبوه يكرمه، وانتهى به الأمر في الجلالة إلى أن كان كل من تقلد عملاً لا يخرج إلى عمله إلا بعد أن يلقى جبرائيل ويكرمه، وكان عند المأمون مثل أبيه، ونقص محل ميخائيل الطبيب صهر جبرائيل وانحط، قال يوسف بن إبراهيم دخلت على جبرائيل داره التي بالميدان في يوم من تموز، وبين يديه المائدة وعليها فراخ طيور مسرولة كبار، وقد عملت كردناجاً بفلفل، وهو يأكل منها، وطالبني بأن آكل معه، فقلت له، كيف آكل منها في مثل هذا الوقت من السنة وسني سن الشباب؟ قال لي ما الحمية عندك؟ فقلت تجنب الأغذية الرديئة، فقال لي غلطت ليس ما ذكرت حمية، ثم قال لا أعرف أحداً، عظم قدره ولا صغر، يصل إلى الإمساك عن غداء من الأغذية كل دهره إلا أن يكون يبغضه، ولا تتوق نفسه إليه، لأن الإنسان قد يمسك عن أكل الشيء برهة من دهره، ثم يضطره إلى أكله عدم أدم سواه لعلة من العلل أو مساعدة لعليل يكون عنده، أوصديق يحلف عليه، أو شهوة تتجدد له، فمتى أكله، وقد أمسك عن أكله منه المدة الطويلة، لم تقبله طبيعته ونفرت منه، وأحدث ذلك في بدن آكله مرضاً كثيراً، وربما أتى على نفسه، والأصلح للأبدان تمرينها على أكل الأغذية الرديئة، حتى تألفها، وأن يأكل منها في كل يوم شيئاً واحداً.
Lives of the Physicians
جبرائيل بن بختيشوع بن جورجسOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.