كان طبيباً نصرانياً عالماً بأنواع العلاج والأدوية، وله أعمال مذكورة وصفات مشهورة، وكان يستطبه معاوية بن أبي سفيان ويعتمد عليه في تركيبات أدوية لأغراض قصدها منه، وعمّر أبو الحكم هذا عمراً طويلاً حتى تجاوز المائة سنة، حدث أبو جعفر أحمد بن يوسف بن إبراهيم، قال حدثني أبي قال حدثني عيسى ابن حكم الدمشقي المتطبب قال حدثني أبي عن أبيه، قال ولي الموسم في أيام معاوية ابن أبي سفيان،و يزيد بن معاوية، فوجهني أبوه معه متطبباً له، وخرجت مع عبد الصمد ابن علي بن عبد اللَّه بن العباس إلى مكة متطبباً له، وقعدد عبد الصمد مثل قعدد يزيد، وبين وفاتهما مائة ونيف وعشرون سنة، قال يوسف بن إبراهيم حدثني عيسى بن حكم عن أبيه، أن جده أعلمه أنه كان حمّى عبد الملك بن مروان من شرب الماء في علته التي توفي فيها، وأعلمه أنه متى شرب الماء قبل نضج علته توفي، قال فاحتمى عن الماء يومين وبعض الثالث، قال فإني عنده لجالس وعنده بناته،و إذ دخل عليه الوليد ابنه فسأله عن حاله وهو يتبين في وجه الوليد السرور بموته فأجابه بأن قال:
ومستخبر عنا يريد بنا الردى ... ومستخبرات والدموع سواجم
وكان استفتاحه النصف الأول وهو مواجه للوليد، ثم واجه البنات عند قوله النصف الثاني، ثم دعا بالماء فشربه فقضى من ساعته
حكم الدمشقي
كان يلحق بابيه في معرفته بالمداواة والأعمال الطبية والصفات البديعة، وكان مقيماً بدمشق، وعمر أيضاً عمراً طويلاً، قال أبو يوسف بن إبراهيم حدثني عيسى بن حكم أن والده توفي، وكان عبد اللَّه ابن طاهر بدمشق في سنة عشر ومائتين؛ وإن عبد اللّه سأله عن مبلغ عمر أبيه فأعلمه أنه عمره مائة وخمس سنين، لم يتغير عقله، ولم ينقص علمه، فقال عبد اللَّه عاش حكم نصف التاريخ، قال يوسف وحدثني عيسى أنه ركب مع أبيه حكم بمدينة دمشق، إذ اجتازوا بحانوت حجام قد وقف عليه بشر كثير، فلما بصر بنا بعض الوقوف قال أفرجوا هذا حكم المتطبب وعيسى ابنه، فأفرج القوم، فإذا رجل قد فصده الحجام في العرق الباسليق، وقد فصده فصداً واسعاً، وكان الباسليق على الشريان، فلم يحسن الحجام تعليق العرق فأصاب الشريان، ولم يكن عند الحجام حيلة في قطع الدم، واستعملنا الحيلة في قطعه بالرفائد ونسج العنكبوت والوبر، فلم ينقطع بذلك، فسألني والدي عن حيلة، فأعلمته أنه لا حيلة عندي، فدعا بفستقة فشقها وطرح ما فيها، وأخذ أحد نصفي القشرة فجعله على موضع الفصد، ثم أخذ حاشية من ثوب كتان غليظ فلف بها موضع الفصد على قشر الفستقة لفاً شديداً، حتى كان يستغيث المفتصد من شدته، ثم شد ذلك بعد اللف شداً شديداً، وأمر بحمل الرجل إلى نهر بردى، وأدخل يده في الماء ووطّأ له على شاطئ النهر ونومه عليه، وأمر فحسى محات بيض نيمرشت، ووكل به تلميذاً من تلامذته، وأمره بمنعه من إخراج يده من موضع الفصد من الماء إلا عند وقت الصلاة أو يتخوف عليه الموت من شدة البرد، فإن تخوف ذلك أذِن له في إخراج يده هنيهة ثم أمره بردها، ففعل ذلك إلى الليل، ثم أمر بحمله إلى منزله ونهاه عن تغطية موضع الفصد، وعن حل الشد قبل استتمام خمسة أيام، ففعل ذلك، إلا أنه صار إليه في اليوم الثالث وقد ورم عضده وذراعه ورماً شديداً، فنفس من الشد شيئاً يسيراً، وقال للرجل الورم أسهل من الموت، فلما كان في اليوم الخامس حل الشداد شيئاً يسيراً، فوجدنا قشر الفستقة ملتصقاً بلحم الرجل، فقال والدي للرجل بهذا القشر نجوت من الموت، فإن خلعت هذا القشر قبل انخلاعه وسقوطه من غير فعل منك تلفت نفسك، قال عيسى فسقط القشر في اليوم السابع وبقي في مكانه دم يابس في خلقة الفستقة، فنهاه والدي عن العبث به، أو حك ما حوله، أو فتّ شيء من ذلك الدم، فلم يزل الدم يتحات حتى انكشف موضع الفصد في أكثر من أربعين ليلة وبرأ الرجل
عيسى بن حكم الدمشقي