أبو الغصن الأعرابيّ قال: خرجت حاجّاً، فلمّا بقباء تداعى أهله وقالوا: الصّقيل الصّقيل! فنظرت وإذا جارية كأنّ وجهها سيفٌ صقيلٌ، فلمّا رميناها بالحدق ألقت البرقع على وجهها، فقلنا: إنّا سفرٌ وفينا أجرٌ، فأمتعينا بوجهك؛ فانصاعت وأنا أعرف الضّحك في وجهها وهي تقول:
وكنت متى أرسلت طرفك رائداً ... لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كلّه أنت قادرٌ ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
بين فتاة حسناء وعمتها ومرّ رجلٌ بناحية البادية فإذا فتاة كأحسن ما تكون؛ فوقف ينظر إليها، فقالت له عجوز من ناحية: ما يقيمك على الغزال النّجدي ولا حظّ لك فيه؟ فقالت الجارية: يا عمتاه، يظنّ كما قال ذو الرّمّة:
وإن لم يكن إلاّ تعلّل ساعةٍ ... قليلاً فإنّي نافع لي قليلها
وقال بعض المحدثين:
الخال يقبح بالفتى في خدّه ... والخال في خدّ الفتاة مليح
والشّيب يحسن بالفتى في رأسه ... والشيب في رأس الفتاة قبيح
وقال جعفر بن محمد: الجمال مرحومٌ: بين شريح ورجل رأى رجلٌ شريحاً يجول في بعض الطّرق فقال: ما غدا بك؟ فقال: عسيت أن أنظر إلى صورة حسنة.
بين خالد بن صفوان وامرأة قالت امرأة خالد بن صفوان له يوماً: ما أجملك! قال: ما تقولين ذاك وما لي عمود الجمال، ولا عليّ رداؤه ولا برنسه. قالت: ما عمود الجمال وما رداؤه وما برنسه؟ قال: أما عمود الجمال فطول القوام وفي قصرٌ؛ وأمّا رداؤه فالبياض ولست بأبيض؛ وأما برنسه فسواد الشعر وأنا أصلع. ولكن لو قلت: ما أحلاك وما أملحك، كان أولى.
لأبي اليقظان في جيش ابن الأشعب أبو اليقظان قال: كان يسمّي جيش ابن الأشعب جيش الطواويس، لكثرة من كان فيه من الفتيان المنعوتين بالجمال.
عمر بن الخطاب ومعقل بن سنان قال: وقال أبو اليقظان: سمع عمر بن الخطاب قائلاً بالمدينة يقول:
أعوذ بربّ الناس من شرّ معقلٍ ... إذا معقلٌ راح البقيع مرجّلا
يعني معقل بن سنان الأشجعيّ، وكان قدم المدينة؛ فقال له عمر: إلحق بباديتك.
في جمال نصر بن حجاج البهزيّ وسمع امرأةً ذات ليلة تقول:
ألا سبيل إلى خمرٍ فأشربها ... أم هل سبيلٌ إلى نصر بن حجّاج
وهذا نصر بن حجّاج بن علاط البهزيّ، وكان من أجمل الناس، فدعا به عمر فسيره إلى البصرة - فأتى مجاشع بن مسعود السّلميّ فدخل عليه يوماً وعنده امرأته شميلة وكان مجاشع أميّاً، فكتب نصر على الأرض: أحبّك حبّاً لو كان فوقك لأظلك أوتحتك لأقلّك. فكتبت هي وأنا واللّه كذلك. فكبّ مجاشعٌ على الكتابة إناءً ثم أدخل كاتباً فقرأه، فأخرج نصراً وطلّقها - فقال نصر بن حجّاج:
وما لي ذنبٌ غير ظنّ ظننته ... وفي بعض تصديق الظنون أثام
لعمري إن سيّرتني أو حرمتني ... وما نلت ذنباً إنّ ذا لحرام
أأن غنّت الذّلفاء ليلاً بمنيةٍ ... وبعض أمانيّ النساء غرام
ظننت بي الظنّ الذي ليس بعده ... بقاءٌ وما لي في النّديّ كلام
فأصبحت منفيّاً على غير ريبةٍ ... وقد كان لي بالمكّتين مقام
ويمنعني ممّا تمنّت تكرّمي ... وآباء صدقً سالفون كرام
ويمنعها ممّا تمنّت حياؤها ... وحالٌ لها مع عفّةٍ وصيام
وهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... وقد خفّ منّي كاهلٌ وسنام
وأنا أحسب هذا الشعر مصنوعاً: شعر للقيط بن زرارة، ولغيره قال لقيط بن زرارة:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
قال أبو الطّمحان القيني:
يكاد الغمام الغرّ يرعد أن رأى ... وجوه بني لأمٍ وينهل بارقه
وقال آخر:
وجوهٌ لو أنّ المعتفين اعتشوا بها ... صدعن الدّجى حتى ترى الليل ينجلي
لعمر بن الخطاب، ثم لعلي بن أبي طالب قال عمر بن الخطاب " رضي اللّه عنه " : إنّا سمعنا بكم شعرنا أحسنكم وجوهاً، وإذا اختبرناكم كانت الخبرة أولى بكم.