وقرأت في كتاب تعزية: لو كانت النوائب مدفوعة عن أحدٍ بكثرة من يقيه ذلك من إخوانه ويفديه منه بالأخص من أعزّته والأنفس من ماله، سلمت من ملمّها، وكان سبقي إلى ذلك أبرز سبق، وحظّي بالتقدّم فيه أوفر حظّ.
وقرأت في كتاب: مصيبتك لي مصيبةٌ، وما نالك من ألمها لي موجع. ولو كان في الوسع أن أعلم كنه ما خامر قلبك من ألمها حملت مثله إلى نفسي، فإني أحبّ أن أكون أسوتك في كل سارّ وغامٍّ، وألاّ أتمتّع بأيام غمومك، ولا أقصّر فيها عن مقدار حالك.
وقرأت في كتاب: نسأل اللّه حسن الاستعداد لما نتوكّفه ونتوقّع حلوله، وألاّ يشغلنا بما يقلّ الانتفاع به وتعظم التّبعة فيه عمّا نحتاج إليه يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خيرٍ محضراً، وما عملت من سوءٍ تودّ لو أنّ بينها أمداً بعيداً، وأن يجعل ما وهب لنا من الصبر والعزاء إيماناً وإيقاناً، ولا يجعله ذهولاً ونسياناً.
لأسماء بن خارجة قال أسماء بن خارجة: إذا قدمت المصيبة تركت التعزية، وإذا قدم الإخاء قبح الثناء.
لأعرابية مات ابنها قيل لأعرابية مات ابنها: ما أحسن عزاءك! فقالت: أن فقدي إياه أمّنني من المصيبة بعده. ونحوه قول الشاعر:
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
ومثله:
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
شعرلابن العتاهية وقال أبو العتاهية:
وكما تبلى وجوهٌ في الثّرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن
في الأثر وفي الحديث: " من يرد اللّه به خيراً يصب منه " .
ويقال: المصيبة الموجعة تدرّ ذكر اللّه في قلب المؤمن.
بين الأصمعي وأعرابية مات ابنها قال الأصمعي: مررت بأعرابيّة وبين يديها فتىً في السّياق، ثم رجعت ورأيت في يدها قدح سويق تشربه، فقلت لها: ما فعل الشابّ؟ فقلت: واريناه؛ فقلت: فما هذا السّويق؟ فقلت:
على كلّ حالٍ يأكل القوم زادهم ... على البؤس والبلوى وفي الحدثان
لأعرابي قيل لأعرابيّ: كيف حزنك اليوم على ولدك؟ فقال: ماترك حبّ الغداء والعشاء لي حزناً.
لعمر بن عبد العزيز وقال عمر بن عبد العزيز: إنما الجزع قبل المصيبة، فإذا وقعت فاله عمّا أصابك.
لمحمد بن علي بن الحسين في موت بعض أهله اشتكى بعض أهل محمد بن عليّ الحسين فجزع عليه، ثم أخبر بموته فسرّي عنه؛ فقيل له في ذلك، فقال: ندعوا اللّه فيما نحبّ، فإذا وقع ما نكره لم نخالف اللّه فيما أحبّ.
لعبد اللّه في موت عتبة بن مسعود لما مات عتبة بن مسعود قال عبد اللّه: إذا ما قضى اللّه فيه ما قضى فما أحبّ أنّي دعوته فأجابني.
شعر لرجل من طيّيء قال رجل من طيّي:
فلولا الأسى ما عشت في الناس ساعة ... ولكن إذا ما شئت أسعدني مثلي
وقال آخر:
إذا أنت لم تسا اصطباراً وحسبةً ... سلوت على الأيام مثل البهائم
بين محمد بن الوليد بن عتبة والوليد بن عبد الملك عزّي محمد بن الوليد بن عتبة الوليد بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، ليشغلك ما أقبل من الموت إليك، عمن هو في شغل مما دخل عليه، وأعدد لنزوله عدّة تكون لك حجاباً من الجزع وستراً من النار.
فقال يا محمد، أرجو ألا تكون رأيت غفلة تنبّه عليها ولا جزعاً يستتر منه، وما توفيقي إلا باللّه.
فقال محمد: يا أمير المؤمنين، إنه لو استغنى أحدٌ عن موعظةٍ بفضلٍ لكنته، ولكنّ اللّه يقول: " وذكّر فإنّ الذّكرى تنفع المؤمنين " .
شعر للطائي وقال الطائيّ:
ويفرح بالشيء المعار بقاؤه ... ويحزن لمّا صار وهو له ذخرٌ
عليك بثوب الصبر إذ فيه ملبسٌ ... فإنّ ابنك المحمود بعد ابنك الصّبر
وقال أيضاً:
أمالك إنّ الحزن أحلام نائم ... ومهما يدم فالوجد ليس بدائم
تأمّل رويداً هل تعدّنّ سالماً ... إلى آدم أم هل تعدّ ابن سالم
وقال آخر:
اصبر لكلّ مصيبةٍ وتجلّد ... واعلم بأن الدهر غير مخلّد
أو ما ترى أنّ الحوادث جمّةٌ ... وترى المنية للعباد بمرصد
وإذا أتتك مصيبةٌ تشجي بها ... فاذكر مصابك بالنبيّ محمد
لرجل يعزّي الرشيد