قالت: إني كنتُ امرأة كثيراً مالي، عظيماً شرَفي، وكنت عاقراً لا وَلَدَ لي، وكنتُ عند بعلٍ له نِسوة معي وكلهن وُلدَ له غيري، فملنَ به لحب الولد فصرفَ وجهَه عنّي، فحزنتُ وحزن أهلي وصديقي، فلما رأيت هواني عليه وسقوطَ منزلتي عنده، رغِبتُ إلى ربي ودَعَوْتُه فأجابني، واستوهبتُه غلاماً فوهبه لي، فقرتْ به عيني، وفرح أهلي، وعطَف اللُه به زوجي، وقطعَ عنّي ألسنةَ ضرائري، فربيْتُ غلاماً لم تحمِلْ أنثى مثلَه حُسناً وجمالاً ونضَرة وتماماً، فلما بلَغ أشُده وكمَل به سروري خطبتُ عليه عظيمةَ قومي، وبذلتُ دونه مالي، وخرجتُ من خُلعتي، وجمعت رجالَ قومي، فخرج يَمشي بينهم حتى دخلَ بيتَه، فلما قَعد على سريره، خر منه فاندقت عنقُه فمات ابني وضلَّ عملي وبطَلَ نصيبي وتَلِفَ مالي، فخرجتُ إلى هذه البَريًة أبكيه فيها لا أريدُ أن أرى أثراً من آثاره ولا أحداً من أصحابه، ولن أبرَحَ أبكيه حتَّى ألحقَ به.
قال عُزَيرٌ: اذكري ربك وراجعيه، فقد أصابت المصائبُ غيرَك أما رأيتِ هلاكَ إيلياءَ وهي سيدةُ المدائن وأمُّ القُرَى؟ أوَ ما رأيتِ مصيبة أهلها وهم الرجال؟ قالت: إي رحِمك اللُه! إن هذا ليس لي بعزاء وليستْ لي بشيء منه أسوةٌ، إنما تبكي مدينةً خرِبَتْ، ولو تُعمَرُ عادتْ كما كانت، وإنما تبغِي قوماً وعدَهم الله الكَرَّةَ على عدوهم، وأنا أبكيَ على أمرٍ قد فات، وعلى مُصيبة لا أستقيلُها.
قال عُزَير: فإنه خُلِقَ لما صار إليه، وكل شيء خُلِقَ للدنيا فلا بد أن سيَفْنَى، أمَا رأيتِ مدينتنا أصبحتْ خاويةً على عروشها بعد عِمارتها، وأوحشتْ بعد أنسها وأثاثها؛ أوَ ما رأيت مسجدَنا كيف غُير حسنُه، وهُمَ حِصنُه، وأطفئ نورُه! أوَ ما رأيتِ عزَ أهلها كيف ذَلَّ، وشرفَهم كيف خَمُلَ ومجدَهم كيف سقَط، وفخرَهم كيف بطَل! أو ما رأيتِ كتاب اللّه كيف أحْرِقَ، ووليَ اللّه كيف رُفِعَ، وتابوتَ السكينةِ كيف سُبي! أو ما رأيتِ نساءَ الملوك وبناتِهم في بُطون الأسواقِ حاسرات عن السُوق والوجوه والأشعار! أو ما رأيت الأشياخ الذين على وجوههم النورُ والسكينةُ مقَرَّنِين في الحبال والقِطار! أو ما رأيتِ الأحبارَ والرهبانَ مصفدين في الإسار، أو ما رأيتِ أبناءَ موسى وهارون تُضرب عليهم السهامُ ويقتسمُهم الأشرارُ، وولدانَ الملوك خَدماً للكُفْار؟ أو ما رأيتِ قتلانا لم يوار أحداً منهم قبرٌ، ولم يَعهَدْ أحد منهم إلى ولد، فالحكماء مبهوتون، والعلماء يموجون، والحلماء متحيّرون، وأهلُ الرأي مُلْقُون بأيديهم مُستسلِمون.
قال: فبينا أنا أكلَمها غشى وجهَها نورٌ مثلُ شعاع الشمس حال بيني وبين النظر إليها فخمرتُ من شدته وجهي ورددتُ يدي على بصري، ثم كشفتُ وجهي فإذا أنا لا أحِسّها ولا أرى مكانَها، وإذا مدينة قد رُفعتْ لي حصينةٌ بسورها وأبوابها، فلما نظرتُ إلى ذلك خَرَرتُ صَعِقاً؛ فجاءني الملَك فأخذ بضَبْعي ونعشني وقال لي: ما أضعفك يا عُزَيْر! وقد زعمتَ أن بك من القوة ما تخاطبُ به ربك وتُدلِي بالعذر عن الخاطئين من بني إسرائيل.
قال له عُزَيْر: مثل الني رأيتُ وعاينتُ أضعفني وأذهب روحي.
قال الملَك: فإن المرأةَ التي كلمتْك هي المدينة التي تبكي عليها، صورها الله لك في صورة أنثى فكلمتك، فافقَهْ عنها: أما قولها: إنها عُمَرتْ زماناً من دهرها عاقراً لا ولد لها، فكذلك كانت إيلياءُ صعيداً من الأرض خرابَاً لا عُمرانَ فيها أكثر من ثلاثة آلاف سنة. وأمّا قولها: إن اللّه وهب لها غلاماً عند اليأس، فذلك حين أقبل الله عليها بالعُمران فابتعث اللُّه منها أنبياءه وأنزل كتابه. وأما قولها: إنه هلك ولدُها حين كمل فيه سرورُها، فذلك حين غيَّر أهلُها نعَم اللّه وبدّلوها ولم يزدادوا بالنعم عليهم إلا جُرأة على الله وفساداً، فغير اللّه ما بهم وسلّط عليهم عدوَّهم حتى أفناهم، وقد شفَعك اللّه في قومِك وكتابك ومدينتك، وسيُعيدها الله عامرة كما رأيت عليها حيطانُها وأبوابُها، نجيها مساجدُها وأنهارها وأشجارها.
بين إبراهيم عليه السلام وصديق له يُدعى العازر