ثم أتى منىً والناس أجمع ما كانوا. فصلى صلاة الفجر ثم قام قائماً على قدميه ثم قال: أيها الناس ! أليس إلى الله قصدتم وما عنده طلبتم ؟ فإذا سألتموه فابتهلوا. وإذا دعوتموه فاخضعوا. والحجاج فالعنوا فإنه نجس الولادة اللهم ! فلا تنجه من سخطك واحرمه رحمتك التي وسعت كل شيء. إنك ذو الجلال والإكرام. قال فاجتمع الناس إليه وقالوا له: أيها الرجل: من أين أنت؟ قال من بلاد الله. قالوا فأين تأوي ؟ قال إلى أرض الله. قالوا: فما قصتك وقصة الحجاج ؟ أظلمك بشيء ؟ قال نعم. قالوا ماذا ؟ قال: قصد بيت ربي فنجسه، وقتل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأهان. فوجبت اللعنة عليه، واستوجب منا العداوة. ولم أعرف موضعاً أجل من هذه الثنية. موضع ولد فيه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فأحببت أن أُتعب نفسي من أجله وبالدعاء عليه. ثم مر يسحب كساءه، وقد تبين فيه أثر الجوع، فاتبعه رجل من التجار فقال السلام عليك يا أبا المبارك ! قال وعليك السلام يا وافد الله ! قال لي إليك حاجة. قال وما هي ؟ قال تأتي منزلي فتأكل كسرة خبز وتشرب شربة من سويق. قال على شرط. قال وما شرطك ؟ قال ألا تكون ظالماً ولا عوناً لظالم. فما عملك ؟ قال تاجر. قال أفما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يحشر التجار فجاراً إلا من اتقى وبر وصدق. قال فإني لا أمدح عند البيع ولا أذم عند الشرى. قال منك يا أخي طاب القرى. قال فأتى إلى رحله فأكل رغيفاً وملحاً ولم يزد عليه بشيء. ثم قال يا أخي ! أوصني. قال خف الله خوف حذر، وارجه رجاء متملق، وعليك بأكل الحلال، وبذل النوال لأهل الأقلال، وادخل الجنة بسلام. قال فأعجبني ما سمعت من قوله. قال فلما انقضى الموسم أقبل أصحاب الحجاج إلى الحجاج وأخبروه بخبر ميمون وقالوا ما منعنا من أخذه إلا العامة وجلبتهم. والغوغاء وضجتهم. قال فدعا الحجاج بقائد من قواده من خاصة أصحابه. وقال سر في البلاد واطلب هذا الرجل، ولك الجباء والجائزة. قال فأتعبوا أبدانهم وأحفوا دوابهم في طلب ميمون. وهو من أهل الكوفة ومسكنه بها. فدخل القائد الكوفة. فإذا هو جالس على مزبلة والصبيان حوله وهو يقول لهم، إنه لم تجر عليكم الأقلام، ولم تكتب عليكم الآثام، فانظروا أن لا تطيعوا إبليس عدوكم فإنه عدو أبيكم آدم عليه السلام من قبل وهو الذي أعانه بعد القضاء على الخروج من الجنة. وعليكم بأخلاق الصالحين والاقتداء بالمؤمنين، منهم الصديق ذو الحق المبين، ثم عمر الفاروق لم يكن عنده حق الله يزول، ثم عثمان ذو النورين. ثم علي الرضى سال السيف في المنافقين الأردياء. فإذا فعلتم ذلك كنتم مع الأولياء. ولم يزل يعظهم. فلما فرغ قالوا له هل لك في طعام طيب تأكله وثوب لين تلبسه ؟ فقال كذبتم ما لهذا قصدتم ولا لهذا أردتم. إنما تريدون أن يحملوني أصحاب الحجاج إلى الحجاج وإنما جئتم في طلبي فلا تقيدوني ولا تغلوني فإني لكم سامع مطيع. فأحسنوا رفقته والمشي به فلما اشرف على بلد واسط قال له القائد إذا دخلت على الأمير فسلم عليه. قال فإذا لم أُسلم عليه ؟ قال يقتلك. قال فإن أنا سلمت عليه وساءلني فصدقته الجواب. أيقتلني ؟ قال نعم. قال فما كنت بالذي أُسلم على رجل عاص قتل أولياء الله ووالى أعداء الله. فهو بغيض للهز ثم دخل القائد فأخبره بخبره ففرح الحجاج وقال علي به فأُتي به. فوقف بين يديه صامتاً لم يتكلم وعليه عباءة قد شدها إلى عنقه. فاستحقره الحجاج لما رأى من نحالة جسمه وسوء حاله فأنشأ يقول:
إياك أن تزدري الرجال وما ... يدريك ما ذا يجنه الصدف
نفس الجواد العتيق باقية ... فيه وإن من جسمه العجف
فالحر حرّ وإن ألمّ به ... الضر ففيه الحياء والأنف