فإذا أنت غبت عني عياناً ... أبصرتك المنى بكل مكاني
وقال له بعض الخلفاء: يا سمنون كيف وصلت إليه ؟ قال ما وصلت حتى عملت ستة أشياء. أمت ما كان حياً وهو النفس، وأحييت ما كان ميتاً وهو القلب، وشاهدت ما كان غائباً وهي الآخرة، وغيبت ما كان شاهداً وهي الدنيا، وأبقيت ما كان فانياً وهو المراد، وأفنيت ما كان باقياً وهو الهوى، واستوحشت مما تستأنسون، وأنست مما تستوحشون. ثم أنشد:
روحي إليك بكلّها قد أجمعت ... لو أن فيك هلاكها ما أقلعت
تبكي عليك بكلها في كلها ... حتى يقال من البكاء تقطعت
انظر إليها نظرةً بمودةٍ ... فلربما منّعتها فتمنعت
وله أيضاً:
لطائف برّك ما تنقضي ... وطاعات خلقك ليست تضي
تقاضوك برّاً فأوفيتهم ... ولم يقتضوا لك ما يقتضي
وما تبصر العين يا سيدي ... سوى ما تحب وما ترتضي
قال سمنون: أقمت مطروحاً على باب بني شيبة سبعة أيام مهموماً، فهتف بي هاتف في آخر ليلي. من أخذ من الدنيا فوق ما يجزيه، أعمى الله عيني قلبه، وأنشد:
أجلك أن أشكو الهوى منك انني ... اجلّك ان تومي إليك الأصابع
فأصرف طرفي نحو غيرك عامداً ... على أنه بالرغم نحوك راجع
قال: سئل سمنون أي الطعام أطيب ؟ قال لقمة من ذكر الله، في فم النفس بتوحيد الله، رفعتها من مائدة الرضا عن الله، عند حسن الظن بكرامة الله وأنشد:
حرام على قلب تحرم بالهوى ... يكون لغير الحق فيه نصيب
تفرد فيه فانفردت بحبه ... فصار عليّ شاهد ورقيب
قيل له ما علامة من بقي له ربه. قال يا هذا اجعل قبرك خزانتك، واحسنها من كل عمل صالح، فإذا وردت على ربك سرك ما ترى. وقال سمنون: رأيت إبليس في المنام ولا شك أنه إبليس، فأخذت عصاي لأضربه، فهتف بي هاتف: هو لا يهرب من عصاك، وإنما يهرب من نور القلب وأنشد:
بين المحبين سرٌّ ليس ينسبه ... قول ولا قلم في الخلق يحكيه
سرٌّ يمازجه انس يقابله ... نور تحيّز في جوٍّ من التيه
وله أيضاً:
الحب شيءٌ لطيف ليس يدركه ... عقل لإدراكه عزّ وتدبير
لكنه في مجاري السرّ بعرفه ... أهل الإشارة عزّ لا كيف وتقدير
قال محمد بن عبد الله: سألت سمنون عن قول النبي صلى الله عليه وسلم، روحوا القلوب تعي الذكر. فقال: معناه روحوا القلوب من هموم الدنيا تعي اذكار الآخرة.
قال إبراهيم بن فاتك: سئل سمنون عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم، المؤمن يأكل في معىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء. فقال واحد منها طبع، وستة حرص، فالمؤمن يأكل بمعى الطبع، والكافر يأكل بأمعاء الحرص، وأنشد في المعنى:
لئن أمسيت في ثوبي عديم ... لقد بليا على حرٍّ كريم
فلا يحزنك ان أبصرت حالاً ... مغيرة عن الحال القديم
فلي نفس ستذهب أو سترقى ... لعمرك بيّ في أمر جسيم
قال سمنون رأيت راهباً في صومعة. فقلت له كم لك في هذه الصومعة ؟ فقال منذ ثلاثين سنة. فقلت ما أفادتك الخلوة. قال ويحك ! هل رأيت وزيراً يخرج سر أميره ؟ ومما أنشد سمنون:
يا من فؤادي عليه موقوف ... وكل همي إليه مصروف
يا حسرة حسرة أموت بها ... ان لم يكن لي لديك معروف
وله أيضاً:
ألست لي عوضاً مني كفى شرفاً ... مما وراءك لي حظ ومطلوب
رأيت أسباب راحاتي بها عطفي ... عن العزاء فصبري فيّ مغلوب
لو أن أيوب لاقى بعض ضرك لي ... لضج من بعض ما لاقيت أيوب
وله أيضاً:
أفسدتني بهواك هل أصلحتني ... لم أرض بعدك كائناً من كانا
من ودّني قد كان ودّك فوقه ... فتركتني أتسخط الأخوانا
قال أبو نعيم الحافظ: سمنون هو ابن حمزة الخواص أبو الحسين، وقيل أبو بكر البصري سكن بغداد ومات قبل الجنيد وسمى نفسه سمنون الكذاب بسبب أبياته التي قال فيها:
فليس لي في سواك حظ ... فكيف ما شئت فامتحنّي
فحصر بوله من ساعته فسمى نفسه سمنون الكذاب.