قال رباح القيسي: سمعت مالك بن دينار، يقول: أصاب الناس بالبصرة قحط شديد، فخرجنا نستسقي فإذا أنا بسعدون في بعض الخرابات فقلت له بالذي خلقك استسق لنا، فرفع رأسه إلى السماء وقال " يا فاطر الأشباح والأرواح ومنشئ السحاب والرياح وفالق الأصباح بحق ما جرى البارحة أن ترحم عبادك وبلادك ولا تهلك بلادك بذنوب عبادك " قال فما استتم كلامه حتى أرخت السماء غرابيلها وجادت بوابلها فخرج يخوض الماء وهو يقول:
قل لدنياي أبعدي وتولي ... ان تريني فإنني لا أراك
وصلي واملكي وداد سوائي ... انني مغرم بحب سواك
إن تكوني أسرت بالذنب قوما ... فاذهبي أنت لست من أسراك
قال محمد بن الصباح خرجنا بالبصرة نستسقي فلما أصحرنا إذا بسعدون يفلي جبة صوف له، فلما رآنا قام وقال إلى أين ؟ قلنا نستسقي المطر، فقال بقلوب سماوية أم بقلوب خالية فقلنا بقلوب سماوية فقال اجلسوا ها هنا فجلسنا حتى ارتفع النهار والسماء لا تزداد إلا صحوا فقال يا بطالين لو كانت قلوبكم سماوية لسقيتم ثم توضأ وصلى ركعتين ولحظ السماء بطرفه وتكلم بكلام لم نسمعه فما استتم كلامه حتى أرعدت وأبرقت وأمطرت مطراً جواداً فسألناه عن الكلام الذي تكلم به فقال إليكم عني إنما هي قلوب حنت فرنت فعاينت فعلمت فعملت وعلى ربها توكلت، وأنشأ يقول:
أعرض عن الفخر والتمادي ... وارحل إلى سيد جواد
ما العيش إلا جوار قوم ... قد شربوا صافي الوداد
قال: ورأيت مكتوباً على جبته:
يا ذنوبي عليك طال بكائي ... صرت لي مأتماً فقل عزائي
في كتابي عجائب مثبتات ... ليتني ما لقيتها في بقائي
نظر العين قادني للخطايا ... إذ أذنت اللحوظ للأهواء
تالياً للقرآن يتلو المعاصي ... اسمه في السماء عبد مرائي
قال ذو النون المصري: خرجت بكرة إلى مقابر عبد الله بن مالك فإذا أنا بشخص مقنع كلما رأى قبراً منخسفاً وقف عليه فقصدته، فإذا هو سعدون، فقلت سعدون، فقال سعدون فقلت ما تصنع ها هنا ؟ فقال إنما يسال عما أصنع من أنكر ما أصنع وأما من عرف ما أصنع فما معنى سؤاله ؟ فقلت يا سعدون تعال نبكي على هذه الأبدان قبل أن تبلى، فتأوه ثم قال البكاء على القدوم على الله أولى بنا من البكاء على الأبدان، فإن يكن عندها شر أبلاها في القبور فسوف يبعثها ربها للعرض والنشور. يا ذا النون إنك إن تدخل النار فلا ينفعك دخول غيرك الجنة وإن تدخل الجنة لا يضرك دخول غيرك النار، ثم قال يا ذا النون وإذا الصحف نشرت، ثم صاح واغوثاه ماذا يقابلني في الصحف قال: فغشي علي فلما أفقت إذا هو يمسح وجهي بكمه ويقول يا ذا النون من أشرف منك إن مت مكانك هذا: قال محمد بن الصباح قرأت على قميص سعدون:
عيني أبكي علي قبل انطلاقي ... بدموع منها تسيل المآقي
واندبي مصرعي فقد مضني الشوق ... ونوحي علي قبل الفراق
قال مالك بن دينار دخلت جبانة البصرة فإذا أنا بسعدون فقلت له كيف حالك وكيف أنت فقال يا مالك كيف يكون حال من أمسى وأصبح يريد سفراً بعيداً بلا أهبة ولا زاد ويقدم على رب عدل، ثم بكى بكاء شديداً، قلت ما يبكيك، قال والله ما أبكي حرصاً على الدنيا ولا جزعاً من الموت لكني بكيت ليوم مضى من عمري لم يحسن فيه عملي، أبكاني والله قلة الزاد وبعد المفازة والعقبة الكؤود ولا أدري بعد ذلك أصير إلى الجنة أو إلى النار، فسمعت منه كلام حكيم، فقلت له إن الناس يزعمون أنك مجنون. فقال وأنت قد اغتررت بما اغتر به بنو الدنيا زعم الناس أنني مجنون وما بي جنة ولكن حب مولاي قد خالط قلبي وأحشائي وجرى بين لحمي ودمي وعظمي فأنا والله من حبه هائم مشغوف، قلت فلم لا تجالس الناس وتخالطهم ؟ فأنشد الأبيات المشهورة:
خذ عن الناس جانباً ... كي يظنوك راهبا
وأنشد أيضاً:
ولو لم يكن شيئاً سوى الموت والبلى ... وتفريق أعضاء ولحم مبدد
لكنت حقيقاً يا ابن آدم بالبكا ... على نائبات الدهر مع كل مسعد