ما أقبح الدنيا لخطابها ... تقتلهم عمداً قتيلاً قتيل
تستنكح البعل وقد وطنت ... في موضع آخر منه البديل
أنعم في عيشي وأيدي البلا ... تعمل في نفسي قليلاً قليل
تزودوا للموت زاداً فقد ... نادى مناديه الرحيل الرحيل
قال خالد بن منصور القشيري قدم علينا سعدون المجنون فسمعته ليلة من الليالي يقول في دعائه: لك خشعت قلوب العارفين وإليك طمحت آمال الراجحين، ثم أنشأ يقول:
وكن لربك ذا حب لتخدمه ... إن المحبين للأحباب خدام
قال إسماعيل بن عطاء العطار: مررت بسعدون فلم أسلم عليه، فنظر إلي ثم قال:
يا ذا الذي ترك السلام تعمداً ... ليس السلام بضائر من سلما
إن السلام تحية مبرورة ... ليست تحمل قائلاً أن يأثما
قال ثابت بن عبد الله أنشدني سعدون المجنون أبياتاً في الوصف:
تفهم يا أخي وصف الملاح ... وقد ركبوا النجائب في الوشاح
من الحور الحسان منعمات ... تفوق وجوهها ضوء الصباح
يراهن المهيمن من عبير ... وشرفهن حقاً بالفلاح
وصدغ فوق سالفة بمسك ... كمشق النون في رق مباح
إذا خطرت تحير كل حسن ... وإن مرحت أهل للمراح
تقول إذا أتت نحو العذارى ... ألا يا خود هل حبي بصاح
فقد نغصن لذاتي جميعاً ... واعدمني هواها شرب راحى
قال الفتح بن سالم كان سعدون سياحاً لهجاً بالقول فرأيته يوماً بالفسطاط قائماً على حلقة ذي النون وهو يقول يا ذا النون متى يكون القلب أميراً بعد أن كان أسيراً فقال ذو النون:
إذا اطلع الخبير على الضمير ... ولم ير في الضمير سوى الخبير
قال فصرخ سعدون وخر مغشياً عليه، ثم أفاق فقال:
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكي ... ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر
ثم قال استغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال يا أبا الفيض إن من القلوب قلوباً تستغفر الله قبل أن تذيب قال: نعم نبأت قبل أن تطيع أولئك قوم أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين، ثم قال: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء كن لي بكليتك أكن لك وقل للمطيعين إن لم تطيعوني فلا تقربوا مني.
وكان ابن أبي أوفى يقول قعدنا في جزيرة من الجزائر نتشارب المز وفينا شيخ يغني ويقول:
أما النبيذ فلا يذعرك شاربه ... واحفظ ثيابك ممن شربه الماء
وإذا رجل يهتف: كذبت يا شيخ:
أما النبيذ فقد يذري بصاحبه ... ولا أرى شارباً يذري به الماء
فالتفتنا فإذا سعدون المجنون.
قال عطاء التيمي: كنت أبني فأشرفت من بعض الجدران فإذا سعدون يكتب بقطعة فحم على جدار:
ما حال من سكن الثرى ما حاله ... أمسى وقد رتّ هناك حباله
أمسي ولا روح الحياة يصيبه ... أبداً ولا لطف الحبيب يناله
أمسي وقد درست محاسن وجهه ... وتفرقت في قبره أوصاله
واستبدلت منه المحاسن غبرة ... وتقسمت من بعده أمواله
ما زالت الأيام تلعب بالفتى ... والمال يذهب صفوه وجلاله
قال ذو النون المصري رأيت سعدون في مقابر البصرة وهو يناجي ربه ويقول بصوت عال أحد أحد فسلمت عليه فرد علي، فقلت بحق من تناجيه ألا وقفت، فوقف، ثم قال: قل: قلت أوصني بوصية أحفظها عنك أو تدعو بدعوة فأنشأ يقول:
يا طالب العلم من هنا وهنا ... ومعدن العلم بين جنبيكا
إن كنت تبغي الجنان تسكنها ... فاسبل الدمع فوق خديكا
وقم إذا قام كل مجتهد ... وادعه كي يقول لبيكا
ثم مضى وهو يقول: يا غياث المستغيثين، فقلت له ارفق بنفسك فلعله ينظر إليك برحمته فنزع يده من يدي، وهو يقول:
سلام على طيب المقام سلام ... فليس لعين المستهام منام
ولو ترك الأغماض يوماً لجفنه ... لا يقظه مما يجن ضرام
ثم مضى وتركني.