قال البطرك فإذا كان الأمر على ما ذكرتم فأحقن الدماء وابعث إلى صاحبك يأتي فإذا رأيناه وتبينا نعته فتحنا له البلد وأعطيناه الجزية فانصرف أبو عبيدة وأمر الناس بالكف عن القتال وأعلمهم بالخبر فكبروا وكتب أبو عبيدة إلى الإمام عمر رضي الله عنه يعلمه بالخبر على يد ميسرة بن مسروق فلما وصل الكتاب إلى عمر رضي الله عنه فرح وقرأه على المسلمين وقال ما ترون رحمكم الله فيما كتب إلينا أمين الأمة فكان أول من تكلم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فقال يا أمير المؤمنين إن الله قد أذل الروم فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم علموا أنك بأمرهم مستخف فلا يثبتون إلا يسيراً فلما سمع عمر ذلك من عثمان جزاه خيراً وقال هل عند أحدهم منك رأي غير هذا فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه نعم عندي غير هذا الرأي وأنا أبديه إليك رحمك الله فقال له عمر وما هو أبا الحسن قال إن القوم قد سألوك وفي سؤالهم ذل وهو على المسلمين فتح وقد أصابهم جهد عظيم من البرد والقتال وطول المقام وإن سرت إليهم فتح الله على يديك هذه المدينة وكان لك في مسيرك الأجر العظيم ولست آمن منهم إنهم إذا آيسوا منك أن يأتيم المدد من طاغيتهم فيحصل للمسلمين بذلك الضرر والصواب أن تسير إليهم ففرح عمر بمشورة علي وقال لقد أحسن عثمان النظر في المكيدة للعدو وعلي أحسن النظر للمسلمين جزاهما الله خيراً ولست آخذ إلا بمشورة علي فما عرفناه إلا محمود المشورة ميمون الطلعة ثم إن عمر أمر الناس أن يأخذوا الأهبة للمسير معه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب وخرج من المدينة وهو على بعير له أحمر عليه غرارتان في إحداهما سويق وفي الأخرى تمر وبين يديه قربة وخلفه جفنة الزاد وسار إلى أن أقبل على بيت المقدس فالتقاه أبو عبيدة فلما رآه أناخ قلوصه وأناخ عمر بعيره وترجلا ومد أبو عبيدة يده وصافح عمر وتعانقا وسلم كل منهما على صاحبه وأقبل المسلمون يسلمون على عمر ثم ركبوا جميعاً إلى أن نزلوا فصلى عمر بالمسلمين صلاة الفجر ثم خطبهم فلما فرغ من خطبته جلس وأبو عبيدة يحدثه بما لقي من الروم إلى أن حضرت صلاة الظهر أذن بلال في ذلك اليوم فلما قال الله أكبر خشعت جوارحهم واقشعرت أبدانهم فلما قال أشهد أن لا إله إلى الله. وأشهد أن محمداً رسول الله أبكى الناس بكاء شديداً عند ذكر رسوله وكاد بلال أن يقطع الأذان فلما فرغ الأذان صلى عمر وجلس ثم أمرهم بالركوب فلما همّ بالركوب من بعيره وعليه مرقعة الصوف وفيها أربع عشرة رقعة بعضها من آدم قال المسلمون يا أمير المؤمنين لو ركبت غير بعيرك جواداً ولبست ثيابا لكان ذلك أعظم لهيبتك في قلوب أعدائك وأقبلوا يسألونه ويتلطفون به إلى أن أجابهم إلى ذلك ونزع مرقعته ولبس ثياب بيضا قال الزبير أحسبها كانت من ثياب مصر تساوي خمسة عشرة درهما وطرح على كتفيه منديلاً من الكتان دفعه إلى أبو عبيدة وقدذم له برذونا أشهب من براذين الروم فلما صار عمر فوقه جعل البرذون يهملج به فلما نظر عمر إلى ذلك نزل مسرعاً وقال أقيلوا عثرتي أقالكم الله عثراتكم يوم القيامة لقد كاد أميركم يهلك مما داخله من الكبر ثم إنه نزع البياض وعاد إلى لبس مرقعته وركوب بعيره فعلت ضجة المسلمين بالتهليل والتكبير فقال البطرك للروم أنظروا ما شأن العرب فأشرف رجل من المتنصرة فقال يا معشر العرب ما قضيتكم فقالوا أن عمر بن الخطاب قد قدم علينا من مدينة نبينا صلى الله عليه وسلم فرجع المتنصر وأعلم البطرك فأطرق ولم يتكلم فلما كان من الغد صلى عمر بالمسلمين صلاة الفجر ثم قال لأبي عبيدة تقدم إلى القوم وأعلمهم أني قد أتيت فخرج أبو عبيدة وصاح بهم وقال إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد أتى فما تصنعون فيما قلتم فاعلم البطرك بذلك فخرج من قمامة وعليه المسوح ومن حوله الرهبان والقسس ثم علا السور وأشرف على أبي عبيدة وقال ما هذا أيها الشيخ قال أبو عبيدة هذا أمير المؤمنين من بينكم حتى نراه فرجع أبو عبيدة إلى عمر فأخبره بما قال البطرك فهم عمر بالقيام فقال له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشى عليك من الإنفراد بلا عدة فقال عمر قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ثم لبس مرقعته وركب بعيره وأبو عبيدة سائر بين يديه إلى أن أتى بإزاء البطرك قريباً من الحصن فقال أبو عبيدة هذا أمير
Fruits of the Leaves
الوليد ومسامر الخلفاءOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.