FluentPlex

Fruits of the Leaves

الوليد ومسامر الخلفاء

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

فاستولى عليه الطرب المفرط وطاب عيشه كثيراً ومن شدة طربه وسروره قال لي يا سيدي أتأذن لي أن أغني ما سنح بخاطري وإن كنت من غير أهل هذه الصناعة فقلت هذا زيادة في أدبك ومروءتك فأخذ العود وغنى:

شكونا إلى أحبابنا طولَ ليلنا ... فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا

وذاك لأنّ النوم يغشى عيونهم ... سريعاً ولا يغشى لنا النوم أعينا

إذا ما دنا الليل المضرُّ بذي الهوى ... جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا

فلو أنَّهم كانوا يلاقون مثل ما نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا

فو الله أحسست بالبيت قد سار بي وذهب عني كل ما كان بي من الهلع وسألته أن يغني فغنى:

تعِّيرنا أنّا قليلٌ عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل

وما ضرّنا إنّا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل

وإنّا لقومٌ لا نرى القتل سُبَّةً ... إذا ما رأته عامرٌ وسلول

يقرِّبُ حبُّ آجالَنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول

فداخلني من الطرب ما لا مزيد عليه إلى أن عاجلني السكر فلم أستيقظ إلا بعد المغرب فعاودني فكري في نفاسة هذا الحجام وحسن أدبه وظرفه فقمت وغسلت وجهي وأيقظته وأخذت خريطة كانت صحبتي فيها دنانير لها قيمة فرميت بها إليه وقلت له استودعتك الله فإنني ماض من عندك وأسألك أن تصرف ما في هذه الخريطة في بعض مهماتك ولك عندي المزيد أن أمنت من خوفي فاعادها علي منكَّداً وقال: يا سيدي أن الصعاليك منا لا قدر لهم عندكم أآخذ على ما وهبنيه الزمان من قربك وحلولك عندي ثمنا والله لئن راجعتني في ذلك لأقتلنَّ نفسي فاعدت الخريطة إلى كمّي وقد أثقلني حملها فلما انتهيت إلى باب داره قال لي يا سيدي إن هذا المكان أخفى لك من غيره وليس في مؤنتك عليّ ثقل فأقم عندي إلى أن يفرج الله عنك فرجعت وسألته أن ينفق من تلك الخريطة ولم يفعل فأقمت عنده أياما على تلك الحالة في الذ عيش فتذممت من الإقامة في مؤنته واحتشمت من التثقيل عليه فتركته وقد مضى يجدد لنا حالا وقمت فتزييت بزي النساء بالخف والنقاب وخرجت فلما صرت في الطريق داخلني من الخوف أمر شديد وجئت لأعبر الجسر فإذا أنا بموضع مرشوش بماء فبصر بي جندي ممن كان يخدمني فعرفني فقال هذه حاجة المأمون فتعلق بي فمن حلاوة الروح دفعته هو وفرسه فرميتهما في ذلك الزلق فصار عبرة وتبادر الناس إليه فاجتهدت في المشي حتى قطعت الجسر ودخلت شارعا فوجدت باب دار وامرأة واقفة في دهليز فقلت يا سيدة النساء أحقني دمي فإني رجل خائف فقالت على الرحب وأطلعتني إلى غرفة مفروشة وقدمت لي طعاما وقالت ليهدأ روعك فما علم بك مخلوق وإذا بالباب يدق دقا عنيفا فخرجت وفتحت الباب وإذا بصاحبي الذي دفعته على الجسر وهو مشدوخ الرأس ودمه يجري على ثيابه وليس معه فرس فقالت يا هذا ما دهاك فقال ظفرت بالمغنِّي وأنفلت عنّي، فأخبرها بالحال فأخرجت خرقا وعصبته بها وفرشت له ونام عليلا وطلعت إلى وقالت أظنك صاحب القصة فقلت نعم قالت لابأس عليك ثم جددت لي الكرامة وأقمت عندها ثلاثا ثم قالت إني خائفة عليك من هذا الرجل لئلا يطلع عليك فينّم بك فانج لنفسك فسالتها المهلة إلى الليل ففعلت فلما دخل الليل لبست زي النساء وخرجت من عندها فأتيت إلى بيت مولاة كانت لنا فلما رأتني بكت وتوجعت وحمدت الله على سلامتي وخرجت كأنها تريد السوق للاهتمام بالضيافة فظننت خيرا فما شعرت إلا إبراهيم الموصلي بنفسه في خيله ورجله والمولاة معه حتى سلمتني إليه فرأيت الموت عيانا وحملت بالزي الذي أنا فيه إلى المأمون فجلس مجلسا عاما وأدخلني إليه فلما مثلت بين يديه سلمت عليه بالخلافة فقال لا سلم الله عليك ولا حياك ولا رعاك فقلت له على رسلك يا أمير المؤمنين، إن وليَّ الثأر محكّم في القصاص والعفو أقرب للتقوى وقد جعلك الله فوق كل عفو كما جعل ذنبي فوق كل ذنب فإن تأخذ فبحقك وإن تعف فبفضلك ثم أنشدت:

ذنبي إليك عظيمٌ ... وأنت أعظَمُ منه

فخذ بحقّك أولا ... فاصفح بحلمك عنه

إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه

فرفع إلي رأسه فبدرته وقلت:

أتيت ذنباً عظيماً ... وأنت للعفو أهل

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا