الزبير فأعلم أنه مخذول فأجنبه وإن رأيته قد رجع من حيث جاء وترك قصده الأول فأرج له النصر والسلامة. فقال عبد الملك يا شيخ وهل رجوعه إلى دمشق إلا كمسيره إلى ابن الزبير فقال الشيخ إن الذي أشكل عليك لواضح وها أنا أزيل عنك اللبس وهو أن عبد الملك إذا قصد ابن الزبير كان في صورة ظالم لأن ابن الزبير لم يطعه طاعة قط ولا وثب له على ملكة فإذا قصد ابن سعيد كان في صورة مظلوم لأنه نكث بيعته وخان أمانته ووثب على دار ملك لم تكن له ولا لأبيه من قبله بل كانت لعبد الملك ولأبيه من قبله وعمرو عليها متعد، ومن الأمثال سمين الغضب مهزول وولي الغدر معزول وسأضرب لك مثلا يشفي النفس ويزيل اللبس. زعموا أن ثعلبا كان يسمّى ظالما وكان له جحر يأوي إليه وكان مغتبطاً به فخرج يوما يبتغي ما يأكل ثم رجل فوجد فيه حية فانتظر خروجها فلم تخرج فعلم أنها استوطنته وذلك أن الحية لا تتخذ جحراً بل إذا أعجبها جحر اغتصبته وطردت من به من الحيوان ولهذا قيل فلان أظلم من حية فهذا ظلمها ولما رأى ظالم أن الحية قد استوطنت جحره ولم يمكنه السكنى معها ذهب يطلب لنفسه مأوى فانتهى به السير إلى جحر حسن الظاهر في أرض منيعة ذات أشجار ملفتة وماء معين فأعجبه وسأل عنه فقالوا هذا الحجر يملكه ثعلب اسمه مفوض وأنه ورثه عن أبيه فناداه ظالم فخرج إليه ورحب به وأدخله إلى جحره وسأله عن حاله فقص عليه خبره مع الحية فرق له مفوض وقال له الموت في طلب الثأر خير من الحياة في العار والرأي عندي أن تنطلق معي إلى مأواك الذي أخذ منك غصبا حتى أنظر إليه فلعلي أهتدي إلى مكيدة تخلص بها مأواك فانطلقا معا إلى ذلك الجحر فتأمله مفوض وقال لظالم اذهب معي فبت الليلة عندي لأنظر ليلتي هذه فيما يسنح من الرأي والمكيدة ففعلا ذلك وبات مفوض مفكرا وجعل ظالم يتأمل مسكن مفوض فرأى من سعته وطيب هوائه وحصانته ما اشتد به حرصه عليه وطفق يدبر في حيلة اغتصابه ونفي مفوض عنه فلما أصبحا قال مفوض لظالم أني رأيت ذلك الجحر بعيدا من الشجر والماء فأصرف نفسك عنه وهلم أعينك على احتفار جحر في هذا المكان المشتهى فقال ظالم هذا غير ممكن لأن لي نفسا تهلك لبعد الوطن حنينا فلما سمع مفوض ما قاله ظالم وما تظاهر به من الرغبة في وطنه قال له أني أرى أن نذهب يومنا هذا فنحتطب حطبا ونربط منه حزمتين فإذا جاء الليل انطلقنا إلى بعض هذه الخيام فأخذنا قبس نار واحتملنا الحطب والقبس إلى مسكنك فنجعل الحزمتين في بابه نضرم النار فإن خرجت الحية احترقت وإن لزمت الجحر قتلها الدخان فقال له ظالم هذا نعم الرأي فذهبا واحتطبا حزمتين ولما جاء الليل انطلق مفوض إلى ظاهر تلك الخيام فأخذ قبسا فعمد ظالم إلى إحدى الزمتين فأزالها إلى موضع غيبها فيه ثم جر الحزمة الآخرة إلى باب مسكن مفوض فسده بها سدا محكما وقدر في نفسه أن مفوضا إذا أتى الجحر لم يمكنه الدخول إليه لحصانته فإذا يئس منه ذهب فنظر لنفسه مأوى وكان ظالم قد رأى في منزل مفوض طعاماً أدخره لنفسه فعول ظالم على أنه يقتات به إن حاصره مفوض وهو من داخل وأذهله الشره والحرص عن فساد هذا الرأي ثم إن مفوضا جاء بالقبس فلم يجد ظالما ولا وجد الحطب فظن أن ظالما قد حمل الحزمتين تخفيفا عنه وأنه سبقه إلى مسكنه الذي فيه الحية اشفاقا على مفوض فشق ذلك عليه وظهر له من الرأي أن يبادر إليه ويلحقه ليحمل معه الحطب فوضع القبس بالقرب من الحطب ولم يشعر أن الباب مسدود به لشدة الظلمة فما بعد عن الباب إلا وضوء النار وشدة الدخان قد لحقا به فعاد وتأمل الباب فرأى الحطب قد صار ناراً فعلم مكيدة ظالم ورآه قد احترق ن داخل الجحر وحاق به مكره فقال هذا الباحث على حتفه بظلفه ثم إن مفوضا صبر حتى انطفأت النار فدخل جحره فأخرج جثة ظالم فألقاها واستوطن جحره آمنا فهذا المثل ضربته لك لأنه ملائم لفعل عمرو بن سعيد في بغيه ومخادعته عبد الملك وحيلته في أخذ دار ملكه وتحصينها منه وهذا كفعل ظالم مع مفوض والله أعلم فلما سمع عبد الملك حكمة الشيخ في ضرب أمثاله سر بذلك سروراً عظيما ثم أقبل عليه فقال جزيت عني خيراً وأني أريد أن تجعل بيني وبينك موعداً وتعرفني مكانك لألقاك به بعد يومي هذا فقال الشيخ وما تريد بذلك فقال له عبد الملك إني أريد مكافأتك على ما كان منك فقال له الشيخ إني أعطيت الله عهداً أن لا أقبل منة
Fruits of the Leaves
الوليد ومسامر الخلفاءOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.