ومما تخيرته من سلوان المطاع لابن ظفر أن الوليد ابن يزيد لما بلغه أن ابن عمه يزيد ابن الوليد بن عبد الملك قد شرد عنه القلوب واستجاش عليه أهل اليمن ونازعه في ملكه احتجب عن سمّاره ودعا في بعض الليالي خادما فقال له انطلق متنكرا حتى تقف ببعض الطرق وتأمل من يمر بك من الناس فإذا رأيت كهلا رث الهيئة يمشي مشياً هويناً وهو مطرق فسلّم عليه وقل له في أذنه: أمير المؤمنين يدعوك فأن أسرع في الإجابتة فائتني به وإن استراب فدعه واطلب غيره حتى تجد رجلا على الشرط الذي ذكرت لك فانطلق الخادم فأتاه برجل على الشرط فلما دخل الرجل على الوليد حياه بتحية الخلافة فأمره الوليد بالجلوس والدنو منه وصبر إلى أن ذهب روعه وسكن جأشه ثم اقبل عليه فقال له أتحسن المسامرة للخلفاء فقال نعم يا أمير المؤمنين فقال الوليد إن كنت تحسنها فأخبرنا ما هي فقال يا أمير المؤمنين المسامرة أخبار لمنصت وأنصات لمخبر ومفاوضة فيما يعجب ويليق فقال له الوليد أحسنت لا أزيدك امتحانا فقل أسمع لقولك فقال الكهل نعم يا أمير المؤنين ولكن المسامرة صنفان لا ثالث لهما أحدهما الإخبار بما يوافق خبرا مسموعا والثاني الإخبار بما يوافق غرضاً من أغراض صاحب المجلس وإني لم أسمع بحضرة أمير المؤمنين طريقة فأنحو نحوها وألزم أسلوبها فقال الوليد صدقت وها نحن نقترح لك ما تقتفيه قد بلغنا أن رجلا من رعيتنا سعى في ضرر ملكنا فأثر سعيه وشق ذلك علينا فهل سمعت بذلك فقال الكهل نعم يا أمير المؤمنين فقال له الوليد قل الآن على حسب ما سمعت وعلى ما ترى من التدبير فقال يا أمير الممنين بلغني عن أمير المؤمنين عبد الملك ابن مروان أنه لما ندب الناس لقتال ابن الزبير وخرج بهم متوجها إلى مكة حرسها الله تعالى استصحب عمرو بن سعيد بن العاص وكان عمرو قد انطوى على فساد نية وخبث طويّة وطماعية في نيل الخلافة وكان أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قد فطن لذلك إلا أنه كان يحترمه ولما أبعد أمير المؤمنين عن دمشق تمارض عمرو بن سعيد فاستأذن أمير المؤمنين في العود إلى دمشق فأذن له فلما دخل عمرو دمشق صعد المنبر فخطب الناس خطبة نال فيها من الخليفة واستولى على دمشق ودعا الناس إلى خلع عبد الملك فأجابوه إلى ذلك وبايعوه وحصّن بعد ذلك سور دمشق وحمى حوزتها فبلغ ذلك عبد الملك وهو متوجه إلى ابن الزبير وبلغه مع ذلك أن والي حمص قد نزع يده من الطاعة وأن أهل الثغور قد تشوفوا للخلاف فأحضر وزراءه فأطلعهم على ما بلغه وقال لهم دمشق ملكنا قد استولى عليها عمر بن سعيد وهذا عبد الله ابن الزبير قد استولى على الحجاز والعراق واليمن ومصر وخراسان وهذا النعمان بن بشير أمير حمص وزفر بن الحرث أمير فلسطين قد خرجا عن الطاعة وبايعا الناس لابن الزبير وهذه المضرية بسيوفها تطالبنا بقتلى المرج فلما سمع وزراؤه مقالته ذهلت عقولهم فقال لهم عبد الملك مالكم لا تنطقون هذا وقت الحاجة إليكم فقال أفضلهم وددت أن أكون طيراً على عود من أعواد تهامة حتى تنقضي هذه الفتن فلما سمع عبد الملك مقالة صاحبه قام أمرهم بلزوم موضعهم وركب منفردا وأمر جماعة من شجعانه أن يتبعوه متباعدين ففعلوا وسار عبد الملك حتى انتهى إلى شيخ ضعيف البدن سيىء الحال وهو يجمع سمّاقا فسلم عليه عبد الملك وآنسه بحديثه ثم قال له أيها الشيخ ألك علم بنزول هذا العسكر فقال الشيخ وما سؤالك عنه فقال عبد الملك أني أردت الانتظام في سلكه فقال له أني أرى عليك سمة الرياسة فينبغي لك أن تصرف نفسك عن هذا الرأي فإن الأمير الذي أنت قاصده قد انحلّت عرا ملكه والسلطان في اضطراب أموره كالبحر إذا هاج فقال عبد الملك أيها الشيخ قد قوي عليّ جذب نفسي إلى صحبة هذا الأمير فهل لك أن ترشدني إلى رأي أتفق به عنده فلعله يكون سبب قربي منه فقال الشيخ أن هذه النازلة التي نزلت بهذا الأمير من النوازل التي لا تنفذ فيها العقول وإني لأكره أن أرد مسألتك بالخيبة فقال له عبد الله قبل جزاك الله خيراً فقال الشيخ إن هذا الخليفة خرج إلى قتال عدوه والإرادة غير قابلة لمراده والدليل على ذلك أن الله تعالى لم يرد من قصده من محاربة ابن الزبير ووثوب عمرو بن سعيد على منبره واستيلائه على بيوت أمواله وسرير خلافته فإذا قصدت هذا الأمير وانتظمت في سلكه أنظر في أمره فإن رأيته قد أصر على قصده ابن
Fruits of the Leaves
الوليد ومسامر الخلفاءOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.