ومن لطائف المنقول عن المغفلين من الأعراب قيل صلى إعرابي خلف بعض الأئمة في الصف الأول وكان اسم الأعرابي مجرما فقرأ الإمام والمرسلات عرفاً فلما بلغ إلى قوله تعالى ألم نهلك الأولين تأخر الأعرابي إلى الصف الأخير فقال ثم نتبعهم الآخرين فرجع إلى الصف الأوسط فقال كذلك نفعل بالمجرمين فولى هاربا وهو يقول والله ما المطلوب غيري.
ومثله صلى أعرابي خلف أمام صلاة الصبح فقرأ الإمام سورة البقرة وكان الأعرابي مستعجلا ففاته مقصوده فلما كان من الغد بكر إلى المسجد فابتدأ فقرأ سورة الفيل فقطع الأعرابي الصلاة وولى هارباً وهو يقول أمس قرأت سورة البقرة فلم تفرغ منها إلى نصف النهار واليوم تقرأ سورة الفيل ما أظنك تفرغ منها إلى الليل. ومنه كان أعرابي قائما يصلي فأخذ قوم يصفونه بالصلاح وهو يسمع فقطع الصلاة وقال وأنا مع هذا صائم. ومنه دخل خالد بن صفوان الحمام وفي الحمام رجل ومعه ابنه فأراد الرجل أن يعرف خالداً ما عنده من البيان والنحو فقال يا بني ابدأ بيداك ورجلاك ثم التفت إلى خالد فقال له يا أبا صفوان هذاكلام قد ذهب أهله فقال خالد هذا كلام ما خلق الله له أهلا.
ومن لطائف المنقول عن المغفلين من الشعراء أن بعضهم دخل مسجد الكوفة يوم الجمعة وقد نما خبر المهدي أنه مات وهم يتوقعون قراءة الكتاب عليهم بذلك فقال رافعا صوته:
مات الخليفة أيُّها الثقلانِ
فقالوا هذا أشعر الناس فإنه نعى الخليفة إلى النس والجن في نصف بيت ومدت الناس أبصارهم وأسماعهم إليه فقال:
فكأنني أفطرتُ في رمضان
قال فضحك الناس وصار شهرة في الحمق.
ومثله أن سيف الدولة بن حمدان أنصرف من الحرب وقد نصر على عدوه فدخل عليه الشعراء فأنشدوه فدخل معهم رجل شامي فأنشده:
وكانوا كفأرٍ وسوسوا خلف حائطٍ ... وكنت كسنَّورٍ عليهم تسقَّفا
فأمر بإخراجه فقام على الباب يبكي فأخبر سيف الدولة ببكائه فرق له وأمر برده وقال له مالك تبكي قال قصدت مولانا بكل ما أقدر عليه أطلب منه بعض ما يقدر عليه فلما خاب أملي بكيت فقال سيف الدولة ويلك فمن يكون له مثل هذا النسل يكون له ذلك النظم كم كنت أملت قال خمسمائة درهم فأمر له بألف درهم فأخذها وانصرف.
ومن المنقول عن المغفلين على الإطلاق قال بعضهم دخلت مسجد دمشق فإذا أنا بجماعة عليهم سمة العلم فجلست إليهم وهم ينقصون من علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقمت من عندهم مغضبا فرأيت شيخاً جميلا يصلي فظننت به الخير فجلست إليه فقلت له يا عبد الله أما ترى هؤلاء القوم يشتمون علي بن أبي طالب وينقصونه وهو زوج فاطمة الزهراء وابن عم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقال لي يا عبد الله لو نجا أحد من الناس لنجا منهم أبو محمد رحمه الله تعالى قال فقلت ومن أبو محمد قال الحجاج بن يوسف وجعل يبكي فقمت من عنده وخلفت لا أقيم بها.
ومن ذلك أن رجلاً سأل بعضهم وكان من الحمق على الجانب عظيم فقال إيما أفضل عندك معاوية أو عيسى بن مريم فقال ما رأيت سائلا أجهل منك ولا سمعت بمن قاس كاتب الوحي إلى نبي النصارى، ومن ذلك أن لصا تسور روزنة وكان اللص مغفلا فنظر من خلال الروزنة فوجد رجلا وزوجته وهي تقول له يا رجل من أين اكتسبت هذا المال العظيم فقال لها كنت لصا وكنت إذا تسورت روزنة بيت صبرت إلى أن يطلع القمر فإذا طلع اعتنقت الضوء الذي في الروزنة وتدليت بلا حبل وقلت شولم شولم فنزلت فآخذ جميع ما في البيت ولا تبقى ذخيرة من ذخائر البيت إلا ظهرت لي ثم أقول شولم شولم وأصعد في الضوء ولا ينتبه أحد من أهل البيت وأذهب بلا تعب ولا كلفة فسمع اللص ذلك فصبر إلى أن طلع القمر ونام أهل البيت فتعلق في ضوء الروزنة فوقع وتكسرت أضلاعه فقام إليه صاحب البيت وقبض عليه وأسلمه إلى صاحب الشرطة. ومنهم
يسوق الحمير ويعدها
من كان يسوق عشرة حمير فركب واحداً منها وعدها فإذا هي تسعة حمير فنزل وعدها فإذا هي عشرة فقال أمشي وأربح حمارا خير من أن أركب وأخسر حماراً فمشى حتى كاد يتلف إلى أن بلغ قريته. ومنهم من مات بعض أقاربه فقيل له لم لا تبعث جنازته فقال هذا الكلام ما يقوله عاقل أكون منسيا فأذكر بنفسي ومن ذلك أن بعض المغفلين سمع رجلا ينشد:
وكان بنو عمّي يقولون مرحباً ... فلما رأوني معدما مات مرحبُ