FluentPlex

Fruits of the Leaves

ابن الجصاص

Original text Public domain

Read with the dictionary

قيل إنه كان يقصد التباله خيفة من الوزير ابن الفرات. فمن المنقول من حمقه أنه كان مع الوزير في مركب ومعه بطيخة فأراد أن يعطيها للوزير ويبصق في البحر فبصق في وجه الوزير ورمى البطيخة في البحر هذا من المنقول عما ظهر عنه من التباله وإلا فقد روي عنه أنه قال لما ولي ابن الفرات الوزارة قصدني قصدا قبيحاً وأنفذ العمال إلى ضياعي وبسط لسانه بثلبي ونقصني في مجلسه فدخلت يوما داره فسمعت حاجبه وقد وليت يقول: هذا بيت مال يمشي على وجه الأرض ليس له من يأخذه فقلت هذا من كلام صاحبه وقد كان عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف ألف دينار عيناً سوى الجواهر والذخائر وغير ذلك فسهرت في ليلتي أفكر في أمري معه فوقع في نفسي في الثلث الأخير من الليل أن ركبت إلى داره على الفور فوجدت الأبواب مغلقة فطرقتها فقال البواب من هذا قلت ابن الجصاص فقال ليس هذا وقت وصول الوزير نائم فقلت عرف الحجاب أني حضرت في مهم فعرفهم فخرج إلي أحدهم فقلت الأمر أهم من ذلك فأيقظه وعرفه عني ما قلت لك فدخل وأبطأ ساعة ثم خرج وأدخلني فارتاع لدخولي وظن أني جئته برسالة من الخليفة أو حدثت حادثة وهو متوقع لما أورده عليه فنظر إلي وقال ما الذي جاء بك في هذا الوقت قلت خير ما حدثت حادثة ولا معي رسالة ولا جئت إلا في أمر يخصني ويخص الوزير ولم تصلح مفاوضته إلا على خلوة فسكن روعه وقال لمن حوله انصرفوا فمضوا فقال هات فقلت أيها الوزير إنك قصدتني بأقبح قصد وشرعت في هلاكي وإزالة نعمتي وفي إزالتها خروج نفسي وليس عن النفس عوض وقد جعلت هذا الكلام عذرا بيني وبينك فإن نزلت تحت حكمي في الصلح وإلا قصدت الخليفة في هذه الساعة وحولت إليه ألف دينار وأنت تعلم قدرتي عليها وأقول له: خذ هذا المال وسلم إلي ابن الفرات وأسلمك لمن أختاره للوزارة ويقع في نفسي أنه يجيب إلى تقليده ممن له وجه مقبول ولسان عذب وخط حسن ولا أعتمد إلا على بعض كتابك فإنه لا يفرق بينك وبينه إذا رأى المال حاضرا فيسلمك في الحال إليه ويفرغ عليك العذاب بحضوري ويأخذ منك المال المعين وأنت تعلم أن حالك تفي بها ولكنك تفتقر بعدها ويرجع المال إلي وأكون أهلكت عدوي وشفيت غيظي وزاد محلي بتقليدي وزيراً فلما سمع هذا الكلام سقط ي يده وقال يا عدو الله أو تستحل ذلك فقلت بل عدو الله من استحل مني هذا فقال وما تريد فقلت تحلف الساعة بما استحلفك من الأيمان المغلظة أن تكون معي لا علي في صغير أمري وكبيره و لاتنقص لي رسما ولا تضع مني، بل تبالغ في رفعتي ولا تبطن علي فقال وتحلف أنت أيضاً لي بمثل هذا اليمني على جميل النية وحسن الطاعة فقلت أفعل فقال: لعنك الله والله لقد سحرتني واستدعى بدواة فعملنا نسخة يمين وحلف كل منا عليها فلما أردت القيام قال لي يا أباع عبد الله لقد عظمت في نفسي والله ما كان المقتدر يفرق بيني وبين أحسن كتابي إذا رأى المال فليكن ما جرى بيننا مطويا فقلت سبحان الله فقال إذا كان غدا فسر إلى المجلس فترى ما أعاملك به فقمت فأمر الغلمان أن يسيروا في خدمتي بأجمعهم إلى داري ولما أصبحت جئته فبالغ في الإكرام والتعظيم وأمر بانشاء الكتب إلى النواحي بإعزاز وكلائي وحماية أملاكي فشكرته وقمت فأمر الغلمان أيضا بالمشي بين يدي والحجاب والناس يتعجبون من ذلك ولم يعلم أحد ما السبب وما حدثت بهذا الحديث إلا بعد القبض عليه.

وذكر ابن الجوزي في الباب السابع من كتاب الحمقى والمغفلين أن جماعة من العقلاء صدر عنهم أفعال الحمقى وأصروا على ذلك مستصوبين لها فصاروا بذلك الاصرار حمقى ومغفلين. فأول القوم ابليس لعنه الله تعالى فإنه صوّب نفسه وخطأ حكمة الله تعالى ورمى عن قوس الاعتراض في عدم السجود لآدم عليه السلام ثم قال أنظرني إلى يوم يبعثون فصارت لذته في أيقاع العاصي في الذنب كأنه يغبط ونسي عقابه الدائم فلا حمق كحمقه ولا عفلة كغفلته ولله در القائل في ابليس:

عجبتُ من ابليس في غفلته ... وخبثِ ما أظهر من نيَّته

تاهَ على آدم في سجدةٍ ... وصار قواداً لذريته

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account