استنجاز المواعيد قلت وما ظنك بشيء قد جعله الله في كتابه العزيز مدحة وفخرا لأنبيائه فقال وأذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد ولو لم يكن في خلف الوعد إلا قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولوا ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون لكفى قال عمر بن الحرث كانوا يقولون ويفعلون فصاروا يقولون ولا يفعلون ثم صاروا لا يقولون ولا يفعلون فهم ضنوا بالكذب فضلا عن الصدق. ويعجبني قول العباس بن الأحنف:
ما ضرَّ من شغل الفؤاد ببخله ... لو كان عللني بوعدٍ كاذب
صبراً عليك فما أرى لي حيلةً ... إلاّ التمسُّك بالرجاء الخائب
سأموت من مطلٍ وتبقى حاجتي ... فيما لديك وما لها من طالب
وذكر حيان بن سليمان عامر ابن الطفيل فقال والله كان إذا وعد الخير وفى. وإذا وعد الشر أخلف وهو القائل:
ولا يرهبُ ابنُ العمِّ ماعشت صولتي ... ويأمنُ منيّ صولة المتهدِّد
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وقال ابن حازم:
إذا قلت عن شيء نعم فأتمَّهُ ... فإنَّ نعم دينٌ على الحرِّ واجبُ
وإلا فقل لا، تسترح وترح بها ... لئلا يظنُّ الناس أنك كاذب
ويعجبني قول عبد الصمد الرقاشي في خالد بن ديسم عامل الري وقد أبطأ عليه بوعد:
أخالد إن الريَّ قد أجحفت بنا ... وضاق علينا رسمُها ومعاشها
وقد أطعمتنا منك يوماً سحابةٌ ... أضاءت لنا برقاً وأبطا رشاشها
فلا غيمها يصحو فيرجع طامعاً ... ولا ودقها يهمي فتروي عطاشها
قلت ومن البلاغة المرقصة في هذا الباب خطاب كوثر بن زفر وقد وعده يزيد بن المهلب وأبطأ بوعده وهو... أصلح الله الأمير أنت أعظم من أن يستعان بك أو يستعان عليك ولست تفعل من الخير شيئاً إلا وهو يصغر عنك وأنت تكبر عنه وليس العجب أن تفعل ولكن العجب أن لا تفعل. قيل أن يزيد بن المهلب لما سمع هذا الخطاب البليغ مال سكرا وطربا وقال له سل حاجتك قال حملت من عشير عشر ديات قال قد أمرت لك بها وشفعتها بمثلها.
ويعجبني قول بعضهم أما بعد فإن شجرة وعدك قد أورقت فليكن وعدها سالما من حوايج المطل والسلام.
لطيف الاستمناح قال الحكماء لطيف الاستمناح سبب النجاح والنفس ربما انطلقت وانشرحت للطيف السؤال وامتنعت وانقبضت بجفاء السائل ولله در القائل:
إن الكريم أخو المودة والنُّهى ... من ليس في حاجاته بمثقِّل
دخل عبد الملك بن صالح على الرشيد فقال له أسألك بالقرابة والخاصة أم بالخلافة والعامة فقال بالخلافة والعامة فقال يا أمير المؤمنين يداك بالعطية أطلق من لساني، فأجزل عطيته.
وقفت امرأة على قيس بن سعد بن عبادة فقالت أشكو إليك قلة الجرذان فقال ما أحسن هذه الكناية املأوا لها بيتها لحما وخبزا وسمنا.
نادرة لطيفة كان أبو جعفر المنصور أيام بني أمية إذا دخل البصرة دخل متكتماً وكان يجلس في حلقة أزهر السمان المحدث فلما أفضت إليه الخلافة قدم أزهر عليه فرحب به وقربه وقال ما حاجتك يا أزهر فقال يا أمير المؤمنين داري متهدمة وعلي أربعة آلاف درهم وأريد أزوج ابني محمدا فوصله بأثني عشر ألف درهم وقال قد قضينا حاجتك يا أزهر فلا تأتنا بعد هذا طالبا فأخذها وارتحل فلما كان بعد سنة أتاه فقال له أبو جعفر: ما حاجتك يا أزهر؟ قال: جئت مسلما فقال: لا والله بل جئت طالبا وقد أمرنا لك بأثني عشر ألفا فلا تأتنا طالبا ولا مسلما فأخذها ومضى فلما كان بعد سنة أتاه فقال ما حاجتك يا أزهر قال: أتيت عائدا فقال: لا والله بل جئت طالبا وقد أمرنا لك بأثني عشر ألفا فأذهب ولا تأتنا بعد طالبا ولا مسلما ولا عائدا فأخذها وانصرف فلما مضت السنة أقبل فقال له: ما حاجتك يا أزهر قال: يا أمير المؤمنين دعاء كنت أسمعك تدعو به جئت لأكتبه فضحك أبو جعفر وقال الدعاء الذي تطلبه غير مستجاب فإني دعوت الله به أن لا أراك فلم يستجب لي وقد أمرنا لك بأثني عشر ألف وتعال إذا شئت فقد أعيتنا الحيلة فيك.
ودخل رجل من الشعراء على يحيى بن خالد بن برمك فأنشده:
سألت الندى هل أنت حرٌّ فقال لا ... ولكنني عبدٌ ليحيى بنِ خالد