يحكى أن زياد أمر بضرب عنق رجل فقال: أيها الأمير إن لي بك حرمة قال وما هي قال إن أبي جارك بالبصرة قال ومن أبوك قال يا مولاي أني نسيت اسم نفسي فكيف لا أنسى اسم ابي فرد زياد كمه في فمه وضحك وعفا عنه.
وحكي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أن غلاماً له وقف يصب الماء على يديه فوقع الإبريق من يد الغلام في الطست فطار الرشاش في وجهه فنظر جعفر إليه نظرة مغضب فقال ي مولاي والكاظمين الغيظ قال كظمت غيظي قال والعافين عن الناس قال عفوت عنك قال والله يحب المحسنين قال إذهب فأنت حر لوجه الله الكريم.
وقيل لما قدم نصر بن منيع بين يدي الخليفة وكان قد أمر بضرب عنقه قال يا أمير المؤمنين اسمع مني كلمات أقولهن قال قل فأنشأ يقول:
زعموا بأن الصقر صادف مرّةً ... عصفور برٍّ ساقه التقديرُ
فتكلّم العصفور تحت جناحه ... والقصر منقضٌ عليه يطير
إني لمثلك لا أتّمم لقمةً ... ولئن شويت فانّني لحقير
فتهاون الصقر المدلُّ بصيده ... كرماً وألفت ذلك العصفور
قال فعفا عنه وخلي سبيله.
وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج يأمر بأن يبعث إليه برأس عباد بن أسلم البكري فقال له عباد: أيها الأمير أنشدك الله لا تقتلني فوالله أني لأعول أربعاً وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري فرق لهن واستحضرهن فإذا واحدة منهن كالبدر فقال لها الحجاج ما أنت منه قالت أنا ابنته فاسمع يا حجاج مني ما أقول ثم قالت:
أحجاج إمَّا أنْ تمنّ بتركه ... علينا وإمَّا أن تقتّلنا معا
أحجاج لا تفجع به إن قتلته ... ثماناً وعشراً واثنتين وأربعا
أحجاج لا تترك عليه بناته ... وخالاته يندبنه الدهر أجمعا
فبكى الحجاج ورق له واستوهبه من أمير المؤمنين عبد الملك وأمر له بصلة.
وحكي أن رجلاً زوَّر ورقة عن خط الفضل بن الربيع تتضمن أنه أطلق له ألف دينار ثم جاء به إلى وكيل الفضل فلما وقف الوكيل عليها لم يشك أنها خط الفضل فشرع في أن يبذل له الألف دينار وإذا بالفضل قد حضر ليتحدث مع وكيله في تلك الساعة في أمر مهم فلما جلس أخبره الوكيل بأمر الرجل وأوقفه على الورقة فنظر الفضل فيها ثم نظر وجه الرجل فرأه كاد يموت من الوجل والخجل فأطرق الفضل بوجهه ثم قال للوكيل أتدري لم أتيتك في هذا الوقت قال لا قال جئت لأستنهضك حتى تعجل لهذا الرجل اعطاء المبلغ الذي في هذه الورقة فأسرع عند ذلك الوكيل في وزن المال وناوله الرجل فقبضه وصار متحيراً في أمره فالتفت إليه الفضل وقال له طب نفسا فقال له سترتني سترك الله في الدنيا والآخرة ثم أخذ المال ومضى.
من اللطائف والغرائب الدالة على الوفاء بالذمم ما حكاه بعض خدم أمير المؤمنين المأمون قال طلبني أمير المؤمنين ليلة وقد مضى من الليل ثلثه فقال لي خذ معك فلاناً وفلانا وسماهما أحدهما علي بن محمد والآخر دينار الخادم وأذهب مسرعاً لما أقول لك فإنه قد بلغني أن شيخاً يحضر ليلاً إلى دور البرامكة وينشد شعراً ويذكرهم ذكرا كثيراً ويندبهم ويبكي عليهم ثم ينصرف فأمض الآن أنت وعلي ودينار حتى تروا هذه الخربات فاستتروا في بعض الجدران فإذا رأيتم الشيخ قد جاء وبكى وندب وأنشد شيئاً فائتوني به قال فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخربات وإذا نحن بغلام قد أتى ومعه بساط وكرسي جديد وإذا بشيخ وسيم له جمال وعليه مهابة ووقار قد أقبل فجلس على الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول:
ولما رأيت السيف جندل جعفراً ... ونادى منادٍ للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وزاد تأسّفي ... عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا