ومن الموصوفين بالبخل آلا مرو يقال أن من عادتهم إذا ترافقوا في سفر أن يشتري كل واحد منهم قطعة لحم ويشبكها في خيط ويجمعون اللحم كله في قدر ويمسك كل واحد منهم طرف خيطه فإذا استوى جرَّ كل منهم خيطه وأكل لحمه وتقاسموا المرق.
وكان عمر بن يزيد الأسدي بخيلاً جداً أصابه القولنج في بطنه فحقنه الطبيب بدهن كثير فأنحل ما في بطنه في الطست فقال لغلامه اجمع الذي نزل من الحقنة واسرج به.
وكان المنصور شديد البخل جداً مر به مسلم الحادي في طريقه إلى الحج فحدا له يوماً بقول الشاعر:
أغرُّ بين الحاجبين نوره ... يزينه حياؤه وخيرُهُ
ومسكه يشوبه كافوره ... إذا تغدّى رفعت ستوره
فطرب حتى ضرب برجله المحمل وقال يا ربيع أعطه نصف درهم فقال نصف درهم يا أمير المؤمنين والله لقد حدوت لهشام فأمر لي بثلاثين ألف درهم فقال تأخذ من بيت مال المسلمين ثلاثين ألف درهم يا ربيع: وكِّل به من يستخلص منه هذا المال قال الربيع فما زلت أمشي بينهما وأروضه حتى شرط مسلم على نفسه أن يحدو له في ذهابه وإيابه بغير مؤنة وأخبار البخلاء كثيرة وفيما أوردناه كفاية.
نادرة قيل لأبي الحرث ما تقول في الفالوذجة قال وددت لو أنها وملك الموت اختلجا في صدري والله لو أن موسى لقي فرعون بالفالوذجة لآمن به ولكنه لقيه بعصا.
ودخل ابن قزعة يوماً على عز الدولة وبين يديه طبق فيه موز فتأخر عن استدعائه فقال ما بال مولانا ليس يدعوني إلى الفوز بأكل الموز فقال صفه حتى أطعمك فقال ما الذي أصف من حسن لونه فيه سبائك ذهبية كأنها حشيت زبداً وعسلا وأطيب الثمر كأنه مخ الشحم سهل المقشر لين المكسر عذب المطعم بين الطعوم سلس في الحلقوم ثم مد يده وأكل.
وسمع رجلا يذم الزبد فقال له ما الذي ذممت منه سواد لونه أم بشاعة طعمه أم صعوبة مدخله أم خشونة ملمسه.
وقيل له ما تقول في الباذنجان قال أذناب المحاجم وبطون العقارب وبزور الزقوم قيل له أنه يحشى باللحم فيكون طيباً فقال لو حشي بالتقوى والمغفرة ما أفلح.
وصنع الحجاج وليمة وأحتفل فيها ثم قال لزاذان هل عمل كسرى مثلها فاستعفاه فأقسم عليه فقال: أولَمَ عبد عند كسرى فأقام على رؤوس الناس ألف وصيفة في يد كل واحدة أبريق من ذهب فقال الحجاج أف والله ما تركت فارس لمن بعدها من الملوك شرفا.
وقال معاوية لرجل على مائدته خذ الشعرة من لقمتك فقال وإنك تراعيني مراعاة من يرى الشعرة في لقمتي لا أكلت لك طعاماً أبداً.
وحضر أعرابي على مائدة بعض الخلفاء فقدم جدي مشوي فجعل الأعرابي يسرع في أكله منه فقال له الخليفة أراك تأكله بحرد كأن أمه نطحتك فقال أراك تشفق عليه كأن أمه أرضعتك.
ودعت أبا الحرث صبية له فحادثته ساعة فجاع فطلب الأكل فقالت له أما في وجهي ما يشغلك عن الأكل قال جعلت فداك فلو أن جميلا وبثينة قعدا ساعة لا يأكلان لبصق كل منهما في وجه صاحبه وافترقا.
وقال الشمردل وكيل عمرو بن العاص: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف فدخل هو وعمر بن عبد العزيز إليَّ وقال يا شمردل ما عندك ما تطعمني قلت عندي جدي كأعظم ما يكون سمنا قال عجل به فأتيته به كانه عكة سمن فجعل يأكل منه ولا يدعو عمر حتى إذا لم يبق منه إلا فخذاً قال هلم يا أبا جعفر فقال إني صائم فأكله ثم قال يا شمردل ويلك أما عندك شيء قلت ست دجاجات كأنهن أفخاذ نعام، فأتيته بهن فأتى عليهن، ثم قال يا شمردل: أما عندك شيء. قلت: سويق كأنه قراضة الذهب فأتيته به فعبه حتى أتى عليه ثم قال يا غلام أفرغت من غدائنا قال نعم قال ما هو قال نيف وثلاثون قدرا قال أتئني بقدر قدر فأتاه به ومعه الرقاق فأكل من كل قدر ثلثه ثم مسح يده واستلقى على فراشه وأذن للناس فدخلوا، وصُفَّ الخوان وأكل مع الناس.
ونزل رجل بصومعة راهب فقدم إليه الراهب أربعة أرغفة وذهب ليحضر إليه العدس فحمله وجاء فوجده قد أكل الخبز فذهب وأتى بخبز فوجده قد أكل العدس ففعل معه ذلك عشر مرات فسأله الراهب أين مقصدك قال إلى الأردن قال لماذا قال بلغني أن بها طبيباً حاذقاً أسأله عما يصلح معدتي فإني قليل الشهوة للطعام فقال له الراهب إن لي إليك حاجة قال وما هي: قال إذا ذهبت وأصلحت معدتك فلا تجعل رجوعك من ههنا.