نقلت من الجزء الثالث والعشرين من التذكرة للصفدي أن شهاب الدين أحمد الحموي النقاش ورد إلى القاهرة سنة 732 وكتب الختمة الشريفة على خوصة من أولها إلى آخرها مفصلة الأجزاء والسور أخبرني بذلك الموالي السادة الموقعون بالباب الشريف وقدمها لمولانا السلطان الملك الصالح وسألته عن مولده فقال في سنة 699 وله نظم رائق. وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: عشر تورث النسيان كثرة الهم والحجامة في النقرة والبول في الماء الراكد وأكل التفاح الحامض وأكل الكسفرة وأكل سؤر الفأرة وقراءة ألواح القبور والنظر إلى المصلوب والمشي بين القطارين والقاء القملة حية والله أعلم هذا آخر التذييل.
وهذا تذييل آخر.
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد حمدا لله على نعمائه والصلاة والسلام على خير أنبيائه. يقول العبد الفقير إلى عفور مولاه الكريم إبراهيم بن الحاج علي الأحدب قد رأيت أن أذيل الثمرات بما جنيته من الثمار الدانية والفوائد العالية وبالله التوفيق.
فمن ذلك ما يحكى أن الصاحب بدر الدين وزير اليمن كان له أخ بديع الجمال وكان شديد الحرص عليه فأتى له بشيخ ذي دين وعفة وهيبة وعقل ليعلمه فأسكنه في منزل قريب منه فأقام على ذلك مدة ثم إن الشيخ امتحن بمحبة ذلك الشاب وقوي غرامه فيه فشكا يوما له حاله فقال له ما حيلتي وأنا لا أستطيع مفارقة أخي لا ليلاً ولا نهاراً أما الليل فإن سريري بجانب سريره وأما النهار فكما ترى تلازمنا فقال الشيخ إن منزلي ملاصق لداركم فيمكن إذا غمضت عين أخيك أن تقوم لتستعمل ماء فتأتي إلى الحائط وأنا أتناولك من وراء الجدار فتجلس عندي لحظة لطيفة من غير أن يشعر أخوك بشيء فقال السمع والطاعة وتواعدا على ليلة فهيأ له الشيخ من التحف والظرف ما يليق بمقامه فلما نام الصاحب واستغرق في النوم وأمن انتباهه قام الشاب وتمشى خطوات وفتح باب يتوصل منه إلى الحائط فوجد شيخه واقفاً ينتظره فتناوله وصار عنده في المنزل وكان ليلة البدر وتنادما ودارت بينهما كؤوس الشراب ممزوجة ببرد الرضاب وانتشى الشيخ وأخذ في الغناء وقد رمى القمر جرمه عليهما وانتبه الصاحب فلم يجد أخاه فقام فزعا مرعوباً ووجد الباب الذي استطرق منه أخوه مفتوحاً فقال من هنا جاء الشر فدخل منه وصعد الحائط فوجد نوراً ساطعاً من البيت ونظر فرآهما على هذه الحالة والكأس بيد الشيخ وهو ينشد أحسن صوت:
سقاني خمرةً من ريق فيه ... وحيّا بالعذار وما يليه
وبات معانقاً خدّا بخدٍ ... غزالٌ في الأنام بلا شبيه
وبات البدر مطَّلعاً علينا ... سلوه لا ينمُّ على أخيه
فكان من لطافة الصاحب أن قال والله لا أنمُّ عليكما وتركهما وانصرف انتهى.
ومن بديع ذلك ما حكاه ابن خلكان في تاريخه في ترجمة شرف الدين المعروف بابن المستوفي قال قد وصل إلى اربل بعض الشعراء وهو الشريف عبد الرحمن بن أبي الحسين بن عيسى بن علي بن يعرب في سنة ثمان وعشرين وستمائة وشرف الدين يومئذ وزير فسير له مثلوماً على يد شخص كان في خدمته يقال له الكمال بن الشعار الموصلي صاحب التاريخ والمثلوم عبارة عن دينار يقطع منه قطعة صغيرة وقد جرت عادتهم في العراق وتلك البلاد أن يفعلوا هذا لأنهم يتعاملون بالقطع الصغار ويسمونها القراضا ويتعاملون أيضاً بالمثلوم وهذا كثير الوجود بأيديهم فجاء الكمال إلى ذلك الشاعر وقال له الصاحب يقول لك أنفق الساعة هذا حتى يجهز لك شيئاً فتوهم الشاعر أن الكمال يكون قد قرض القطعة من الدينار وأن شرف الدين ما سيره إلا كاملاً وقصد استعلام الحال من جهة شرف الدين فكتب إليه:
يا أيُّها المولى الوزير ومن به ... في الجود حقَّاً تضرب الأمثالُ
أرسلت بدر التمِّ عند كماله ... حسناً فوافى العبد وهو هلال
ما غاله النقصان إلاَّ أنّه ... بلغ الكمال كذلك الآجال
فأعجب شرف الدين بهذا المعنى وحسن الاتفاق وأجاز الشاعر وأحسن إليه انتهى.