بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام حجة العرب وترجمان الأدب تقي الدين أبو بكر بن حجة الحنفي منشىء دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية تغمده الله برحمته.
أما بعد حمداً لله الذي فكهنا بثمار أوراق العلماء والصلاة والسلام على نبيه شجرة العلم التي أصلها ثابت وفرعها في السماء وعلى آله وصحبه الذين هم فروع هذه الشجرة، وأغصانها التي دنت لهذه الأمة قطوفها المثمرة. فإني وريت بتسمية هذا الكتاب بثمار الأوراق، علماً أن قطوفه لم تدن لغير ذوي الأذواق فمن ذلك ما نقلته من درة الغواص لأبي محمد القاسم بن علي الحريري صاحب المقامات أن أبا العباس المبرد روى أن بعض أهل الذمة سأل أبا عثمان المازني في قراءة كتاب سيبويه عنه وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه فامتنع أبو عثمان من ذلك فقال له المبرد جعلت فداك أترد هذه النفقة مع فاقتك واحتياجك إليها، فقال أبو عثمان هذا الكتاب يشتمل على ثلثمائة حديث وكذا آية من كتاب الله ولست أرى أن أمكن منها ذميا غيرة على كتاب الله تعالى وحمية له،
غناء جارية ولحنها بين يدي الواثق
قال فاتفق أن غنت جارية بحضرة الواثق من شعر العرجي:
أظلوم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحيةً ظلمُ
فاختلف من بالحضرة في إعراب رجلا فمنهم من نصبه وجعله اسم إن ومنهم من رفعه على أنه خبرها والجارية مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب فأمر الواثق بإشخاصه قال أبو عثمان فلما مثلت بين يديه قال ممن الرجل؟ قلت: من مازن يا أمير المؤمنين قال أي الموازن قلت من مازن ربيع فكلمني بكلام قومي وقال بااسمك لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما إذا كانت في أو الأسماء فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجه بالمكر فقلت بكر يا أمير المؤمنين ففطن لما قصدته وأعجبه مني ذلك، ثم قال: ما تقول في قول الشاعر:
أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم
أترفع رجلا أم تنصبه فقلت الوجه النصب يا أمير المؤمنين قال ولم ذلك فقلت إن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم فأخذ الزيدي في معارضتي فقلت هو بمنزلة قولك: إن ضربك زيداً ظلم فالرجل مفعول مصابكم ومنصوب به والدليل عليه، أن الكلام متعلق إلى أن تقول ظلم فيتم فاستحسنه الواثق وأمر له بألف دينار. قال أبو العباس المبرد فلما عاد أبو عثمان إلى البصرة قال لي كيف رأيت رددنا لله مائة فعوضنا ألفاً.
ونقلت من درة الغواص أيضاً أن حامد بن العباس سأل علي بن عيسى في ديوان الوزارة ما دواء الخمار وكان قد علق به فأعرض عن كلامه وقال: ما أنا وهذه المسألة؟ فخجل حامد منه والتفت إلى قاضي القضاة أبي عمر فسأله عن ذلك فتنحنح لإصلاح صوته ثم قال: قال الله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " ، وقال النبي: " استعينوا على كل صنعة بصالح أهلها " ، والأعشى وهو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية قال:
وكأس شربتُ على لذةٍ ... وأخرى تداويتُ منها بها
ثم تلاه أبو نواس في الإسلام فقال:
دع عنك لومي فأن اللومَ إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الداءُ
فأسفر حينئذ وجه حامد وقال لابن عيسى ما ضرك يا بارد أن تجيب ببعض ما أجاب به مولانا قاضي القضاة؟ وقد استظهر في جواب المسألة بقول الله تعالى أولاً، ثم بقول النبي صلى الله عليه وسلم ثانياً وأدى المعنى وخرج من العهدة فكان خجل ابن عيسى أكثر من خجل حامد لما ابتدأ بالمسألة، انتهى.
ويضارع هذه الحكاية في لين بعض القضاة المتقشفين وإذعانهم مع الزهد والتقشف للمستفتين، ما نقلته من درة الغواص للحريري أيضاً، قال: اجتمع قوم على شراب فتغنى مغنيهم بشعر حسان:
إن التي ناولتني فرددتُها ... قُتِلتْ قتلتَ فهاتها لم تُقتلِ
كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجةٍ أرخاهما للمفصلِ