FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

السر والماثرون

Original text Public domain

Read with the dictionary

وفي تلك الليلة ملئ المسجد الحرام كله سرجاً فتلألأ نوراً. وعند ثبوت رؤية الهلال عند الأمير أمر بضرب الطبول والدبادب والبوقات إشعاراً بأنها ليلة الموسم.

فلما كانت صبيحة ليلة الخميس خرج العمرة في احتفال لم يسمع بمثله انحشد ه أهل مكة على بكرة أبيهم، فخرجوا على مراتبهم قبيلة قبيلة وحارة حارة شاكين في الأحة فرساناً ورجالة، فاجتمع منهم عدد لا يحصى كثرة، يتعجب المعاين لهم لوف ور عددهم، فلو أ،هم من بلاد جمة لكانوا عدباً، فكيف وهم من بلد واحد وهذا أدل الدلائل على بركة البلد. فكانوا يرجون على ترتيب عجيب، فالفرسان منهم يخرجون بخيلهم يلعبون بالأسلحة عليها، والرجالة يتوائبون ويتثاقفون بالأسلحة في أيديهم حراباً وسيوفاً وحجفاً وهم يظهرون التطاعن بعضهم لبعض والتضار بالسيوف والمدافعة بالحجف التي يستجنون بها. وأظهرون من الحذق لثقباف كل أمر مستغرب. وكانوا يرمون بالحراب الهواء ويبادرون اليها لقفاً بأيديهم وهي قد تصوبت اسنتها على رؤوسهم وهم في زحام لايمكن فيه المجال، وربما رمى بعضهم بالسيوف في الهواء فيستلقونها قبضاً على قوائمها كأنها لم تفارق أيديهم، أن خرج الأمير يزحف بين قواده، وأبناؤه أمامه، وقد قاربوا من الشباب، والرايات تخفق أمامه، والطبول والدبادب بين يديه، والسكينة تفيض عليه، وقد امتلأت الجبال والطرق والثنيات بالنظارة من جميع المجاورين.

فلما انتهى الميقات وقضى غرضه أخذ في الرجوع، وقد ترتب العسكران بين يديه على لعبهم ومرحهم والرجالة على الصفة المذكورة من التجاول. وقد ركب جملة من اعراب البوادي نجباً صهباً لم ير أجمل منظراً منها، وركابها يسابقون الخيل بها، بين يدي الأمير، رافعين أصواتهم بالدعاء له والثناء عليه، أن وصل المسجد الحرام، فطاف بالكعبة، والقراء أمامه، والمؤذن الزمزمي يغرد في سطح قبة زمزم رافعاً عقيرته بتهنئته بالموسم والثناء عليه والدعاء له على العادة، فلما فرغ من الطواف صلى الله عليه وسلم عند الملتزم ثم جاء المقام وصلى الله عليه وسلم خلفه، وقد أخرج له من الكعبة ووضع في قبته الخشبية التي يصلى الله عليه وسلم خلفها. فلما فرغ من صلاته رفعت له القبة عن المقام فاستلمه وتمسح به، ثم أعيدت القبة عليه، وأخذ في الخروج على باب الصفا المسعى. وانجفل بين يديه، فسعى راكباً والقواد مطيفون به، والرجالة الحرابة أمامه، فلما فرغ من السعي استلت السيون أمامه، واحدقت الأشباع به، وتوجه منزله على هذه الحالة الهائلة مزحوفاً به، وبقي المسعى يومه ذلك يموج بالساعين والساعيات.

فلما كان اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة، كان طريق العمرة في العمارة قريباً من امسه، راكبين وماشين، رجالاً ونساء والماشيات المتأجرات كثير يسابقن الرجال في تلك السبيل المبارك، تقبل الله من جميعهم بمنه.

وفي أثناء ذلك يلاقي الرجال بعضهم بعضاَ فيتصافحون ويتهادون الدعاءوالتفافر بينهم، والنساء كذلك. والكل منهم قد لبس أفخر ثيابه واحتفل احتفال أهل البلاد للأعياد. وأما أهل البلد الأمين فهذا الموسم عيدهم، له يعبأون وله يحتفلون، وفي المباهاة فيه يتنافسون وله يعظمون، وفيه تنفق أسواقهم وصنائعهم، يقدمون النظر في ذلك والأستعداد له بأشهر.

السر والماثرون

ومن لطيف صنع الله، عز وجل، لهم فيه اعتناء كريم منه سبحانه مجرمه الأمين، أن قبائل من اليمن تعرف بالسرو، وهم أهل جبال حصينة باليمن تعرف بالسرة، كأنها مضافة لسراة الرجال، على ما أخبرني به فقيه من أهل اليمن يعرف بابن أبي الصيف، فاشتق الناس لهم هذا الاسم المذكور من اسم بلادهم، وهم قبائل شتى كبجيلة وسواها، يستعدون للوصول هذه البلدة المبالاكة قبل حلولها بعشرة أيام، فيجتمعون بين النية في العمرة وميرة البلد بضروب من الأطعمة كالحنطة وسائر الحبوب اللوبياء مادونها، ويجلبون السمن والسعل والزبيب واللوز. فتجمع ميرتهم بين الطعام والإدام والفاكهة. ويصلون في آلاف من العدد رجالاً وجمالاً موقرة بجميع ماذكر. فيرغدون معايس أهل البلد والمجاورين فيه يتقوتون ويدخرون، وترخص الأسعار، وتعم المرافق. فيعد منها الناس مايكفيهم لعامهم ميرة اخرى. ولولا هذه الميرة لكان أهل مكة في شظف من العيش.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account