وتمادت تلك السحابة المباركة قريب المغرب، وتمادى الناس على تلك الحال من الإزدحام على تلقي ماء الميزاب بالأيدي والوجوه والأفواه، وربما رفعوا الأواني ليقع فيها. فكانت عشية عظيمة استشعرت النفوس فيها الفوز بالرحمة ثقة بفضله وكرمه لما اقترن بها من القرائن المباركة، فمنها: أنها كانت عشية الجمعة وفضل اليوم فضله، والدعاء فيها يرجى من اله تع قبوله، لما ورد فيها من الأثر الصحيح، وأبواب السماء تفتح عند نزول المطر. وقد وقف الناس تحت الميزاب، وهو من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء، وطهرت أبدانهم رحمة الله النازلة من سمائه سطح بيته العتيق الذي هو حيال البيت المعمور، وكفى بهذا المجتمع الكريم والمنتظم الشريف، جعلنا الله ممن طهر فيه من أرجاس الذنوب، واختص من رحمة الله تع بذنوب، ورحمته سبحانه واسعة تسع عباده المذنبين، إنه غفور رحيم.
وذكروا أن الإمام أبا حامد الغزالي دعا الله عز وجل بدعوات، وهو في حرمه الكريم، في رغبات رفعها الله جل وتع، فأعطي بعضاً ومنع بعضاً. وكان مما منع نزول المطر وقت مقامه بمكة، وكان تمنى أن يغتسل به تحت الميزاب ويدعو الله عز وجل عند بيته الكريم في الساعة التي أبواب سمائه فيها مفتوحة فمنع ذلك وأجيب دعاؤه في سائر ما سأله.فله الحمد وله الشكر على ما أنعم به علينا. ولعل عبداً من عباده الصالحين الوافدين على بيته الكريم خصه الله بهذه الكرامة، فدخلنا، جميع المذنبين، في شفاعته، والله ينفعنا بدعاء المخلصين من عباده ولا تجعلنا ممن شقي بدعائه، إنه منعم كبير.
ما خص الله تع به مكة
هذه البلدة المباركة سبقت لها ولأهلها الدعوة الخليلية الإبراهيمية، وذلك أن الله عز وجل يقول حاكياً عن خليله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم:فأجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات، لعلهم يشكرون، وقال عز وجل: " أولم نمكن لهم حرماً آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء " . فبرهان ذلك فيها ظاهر متصل يوم القيامة، وذلك أن أفئدة الناس تهوي إليها من الأصقاع النائية والأقطار الشاحطة. فالطريق إليها ملتقى الصادر والوارد ممن بلغته الدعوة المباركة. والثمرات تجبى إليها من مكان، فهي أكثر البلاد نعماً وفواكه ومنافع ومرافق ومتاجر.
ولو لم يكن لها من المتاجر إلا أو أن الموسم ففيه مجتمع أهل المشرق والمغرب، فيباع فيها في يوم واحد، فضلاً عما يتبعه، من الذخائر النفيسة كالجواهر، والياقوت، وسائر الأحجار، ومن أنواع الطيب: كالمسك، والكافور، والعنبر والعود؛ والعقاقير الهندية، غير ذلك من جلب الهند وتالحبشة، الأمتعة العراقية واليمانية، غير ذلك من السلع الخراسانية، والبضائع المغربية، مالا ينحصر ولا ينضبط، ما لو فرق على البلاد كلها لأقام لها الأسواق النافقة ولعم جميعها بالمنفعة التجارية، كل ذلك في ثمانية أيام بعد الموسم، حاشا ما يطرأ بها مع طول الأيام من اليمن وسواها فما على الأرض سلعة من السلع ولا ذخيرة إلا وهي موجودة فيها مدة الموسم. فهذه بركة لا خفاء بها وآية من آياتها التي خصها الله بها.
وأما الأرزاق والفواكه وسائر الطيبات فكنا نظن أن الأندلس اختصت من ذلك بحظ له المزية على سائر حظوظ البلاد حتى حللنا بهذه البلاد المباركة فألفيناها تغص بالنعم والفواكه: كالتين، والعنب، والرمان، والخيار، جميع البقول كالباذنجان، واليقطين، والسلجم، والجزر، والكرنب، سائرها، غير ذلك من الرياحين العبقة والمشمومات العطرة. وأكثر هذه البقول كالباذنجان والقثاء والبطيخ لا يكاد ينقطع مع طول العام، وذلك من عجيب ما شاهدناه مما يطول تعداده وذكره. ولكل نوع من هذه الأنواع فضيلة موجودة في حاسة الذوق يفضل بها نوعها الموجود في سائر البلاد، فالعجب من ذلك يطول.
ومن أعجب ما اختبرناه من فواكهها البطيخ والسفرجل، وكل فواكهها عجب، لكن للبطيخ فيها خاصة من الفضل عجيبة، وذلك لأن رائحته من أعطر الروائح وأطيبها، يدخل به الداخل عليك فتجد رائحته العبقة قد سبقت إليك، فيكاد يشغلك الاستمتاع بطيب رياه عن أكلك إياه، حتى إذا ذقته خيل إليك أنه شيب بسكر مذاب أو بجنى النحل اللباب، ولعل متصفح هذه الأحرف يظن أن في الوصف بعض غلو، كلا لعمر الله! أنه لأكثر مما وصفت وفوق ما قلت، وبها عسل أطيب من الماذي المضروب به المثل يعرف عندهم بالمسعودي.