ومن الجبال التي فيها أثر كريم ومشهد عظيم الجبل المعروف بأبي ثور، وهو في الجهة اليمنية من مكة على مقدار فرسخ أو ازيد. وفيه الغار الذي آوى إليه النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مع صاحبه الصديق، رضي الله عنه، حسبما ذكر الله تع في كتابه العزيز. وقرأت في كتاب أخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي: إن الجبل نادى النبي،صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، فقال: إلي يا محمد! إلي يا محمد! فقد آويت قبلك نبياً. وخص الله، عز وجل، نبيه فيه بآيات فمنها أنه، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، دخل مع صاحبه على شق فيه ثلثا شبر وطوله ذراع، فلما اطمأنا فيه، أمر الله العنكبوت فاتخذت عليه بيتاً، والحمام فصنعت عليه عشاً وفرخت فيه. فانتهى المشركون إليه بدليل قصاص للأثر مستاف أخلاق الطريق، فوقف لهم على الغار وقال: ههنا انقطع الأثر، فأما صعد بصاحبكم من ههنا السماء أوغيض به في الأرض. ورأوا العنكبوت ناسجة على فم الغار والحمام مفرخة فيه، فقالوا: ما دخل هنا أحد. فأخذوا في الانصراف. فقال الصديق، رضي الله عنه: يا رسول الله! لو ولجوا علينا من فم الغار ما كنا نصنع؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: " لو ولجوا علينا منه كنا نخرج من هناك، وأشار بيده المباركة الجانب الآخر من الغار، ولم يكن فيه شق، فانفتح للحين فيه باب، بقدر الله عز وجل، وهو سبحانه قدير على ما يشاء.
وأكثر الناس ينتابون هذا الغار المبارك ويتجنبون دخوله من الباب الذي أحدث الله عز وجل فيه، ويرومون دخوله من الشق الذي دخل النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، منه تبركاً به. فيمتد المحاول لذلك على الأرض ويبسط خده بإزاء الشق ويولج يديه ورأسه أولاً ثم يعالج ادخال سائر جسده. فمنهم من يتأتى له ذلك بحسب قضافة بدنه، ومنهم من يتوسط بدنه فم الغار فيعضه فيروم الدخول أو الخروج فلا يقدر فينشب ويلاقي مشقة وصعوبة، حتى يتناول بالجذاب العنيف من ورائه.
فالعقلاء من الناس يجتنبونه لهذا السبب، ولا سيما ويتصل به سبب آخر مخجل فاضح، وذلك أن عوام الناس يزعمون أن الذي لا يسع عليه ويمتسك فيه ولا يلجه ليس لرشدة. جرى هذا الخبر على السنتهم حتى عاد عندهم قطعاً على صحته لا يشكون. فبحسب المتشب فيه المتعذر ولوجه عليه ما يكسوه هذا الظن الفاضح المخجل، زائداً ما يكابده بدنه من اللز في ذلك المضيق وإشرافه منه على المنية توجعاً وانقطاع نفس وبرح ألم. فالبعض من الناس يقولون في مثل: ليس يصعد جبل ألي ثور إلا ثور.
وعلى مقرلبة من هذا الغار في الجبل بعينه عمود منقطع من الجبل، قد قام شبه الذراع المرتفعة بمقدار شبه القامة، وانبسط له في أعلاه شبه الكف، خارجاً عن الذراع، كأنه القبة المبسوطة، بقدرة الله عز وجل، يستظل تحتها نحو العشرين رجلاً، وتسمى قبة جبريل، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.
ومما يجب أن يثبت ويؤثر، لبركة معاينته وفضل مشاهدته: أن في يوم الجمعة التاسع عشر من جمادى الأولى، وهو التاسع من ستنبر، أنشأ الله بحرية فتشاءمت فانهلت عيناً غديقة،كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وذلك أثر صلاة العصر ومع العشي من اليوم المذكور، فجاءت بمطر جود. وتبادر الناس الحجر فوقفوا تحت المزاب المبارك متجردبن عن ثيابهم، يتلقون الماء الذي يصبه الميزاب برؤوسهم وأيديهم وأفواههم مزدحمين عليه ازدحاماً عظيماً، أحدث ضوضاء عظيمة، كل يحرص على أن ينال جسمه من رحمة اله نصيباً، ودعاؤهم قد علا، ودموع أهل الخشوع منهم تسيل، فلا تسمع إلا ضجيج دعاء، أو نشيج بكاء. والنساء قد وقفن خارج الحجر ينظرن بعيون دوامع، وقلوب خواشع، يتمنين ذلك الموقف لو ظفرن به.
وكان بعض الحجاج المتأجرين المشفقين يبل ثوبه بذلك الماء المبارك ويخرج إليهن ويعصره في أيدي البعض منهن، فيتلقينه شرباً ومسحاً على الوجوه والأبدان.