FluentPlex

The Epistles

كتاب فصل ما بين العداوة والحسد

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

ولم يخل زمنٌ من الأزمنة من هذه الطبقة ولا يخلو. وهلاك من هلك من الأمم فيما سلف بحبِّ الرياسة. وكذلك من يهلك إلى انقضاء الدهر فبحبِّ الرياسة.

وقد قيل: هلاك الناس منذ كانوا إلى أن تأتي الساعة بحبِّ الأمر والنَّهي، وحبِّ السَّمع والطاعة.

فأشكل على العامة أمر العالم الحقيقيّ والمدعي المجاري المنتحل للزُّور والباطل؛ ثم ترادف عليهم من هذه العلل التي يعمى لها السبيل الواضح والطريق المنشأ،على الجاهل المستضعف؛ وذي الغباء المسترهف.

ولست آمن - جعلني الله فداك - أن تكون هذه الكتب التي أُعنى بتأليفها، وأتأنق في ترصيفها، يتولى عرضها عليك من قد لبس لباس الزور في انتحال وضع مثلها، ونسب نفسه إلى القوة على نظائرها، والمعرفة بما يقاربها، إن لم يكن أخاها فابن عمِّها، وتشبع بما لم يُطعمْه الله منها.

ولعل بعض من حوله، أو بعض من يهزل به، ويرتع في عقله ويلهو بلبه، ويضعه على طبطابة اللعب، وفي أرجوحة العبث، يوهمه. الحسد له على ما يدَّعي من ذلك، ويتقدم إلى آخرين في إيهامهم إياه ذلك، فيزيده فعلهم ضراوةً بادعاء ما ليس معه وهو منه عارٍ. فإذا رجع إلى الحقائق علم أن مثله كما قد قيل:

ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبطْ بما في البطن والبطن جائع

وقد قيل: " الذئب يغبط وهو جائع " . فيلتوي في قراءتها، ويقبض لسانه عن بسط ما يحتاج أن ينشره منها، ويقصِّر في تفخيم حروفها ولا يملأ فمه منها.

بل لا آمن أن يتجاوز ذلك إلى الطعن عليها بقولٍ أو إشارة، فيوهم فساد معانيها ويُومي إلى سقوط ألفاظها، من غير أن يُظهر المعاداة لها ، والحسد لمؤلفها، والحمل عليها بقولٍ يكون دليلاً على ما يضمر، وهو أبلغ ما يكون من قلب المستمع وأنجعه فيه، فيقع ذلك بخلده. وقد قيل: " من يسمع يخلْ " .

وليس يقابله أحدٌ بردٍ، ولا يوازيه بنزاع، فيزداد نشاطاً عندما يرى من خلاء الأمر. وقد قيل: " كلُّ مُجْرٍ في الخلاء يُسرُّ " وكلُّ مناظر متفردٍ بالنظر مسرور، وإنما يُعرف جري الخيل عند المسابقة، وبراعة النظر عند المخاصمة.

وقال لي بشرٌ المريسي: عُرض كتابي على المأمون في تحليل النبيذ، وبحضرته محمد بن أبي العباس الطوسي، فانبرى للطعن عليه والمعارضة للحجج التي فيه، وأسهب في ذلك وخطب، وأكثر وأطنب، فقلق المأمون واحتدم، وهاج واضطرم؛ لاستحقار الطُّوسي وخلاء المجلس له، وكان يحب أن يزعه وازعٌ يكفُّه بحجةٍ تسكنه، فلما لم ير أحداً بحضرته يذبُّ عن كتابي قال متمثلاً:

يا لك من قُبّرةٍ بمعمر ... خلا لك الجوُّ فبيضى واصفرى

ونقِّرى ما شئت أن تنقِّري

فما كان إلا ريث فراغه من التمثل بهذه الأبيات حتى استؤذن لي فدخلت عليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في النبيذ؟ فقلت: حلٌّ طلقٌ يا أمير المؤمنين. فقال: فما تقول فيما أسكر كثيره؟ قلت: لعن الله قليله إذا لم يسكر إلا كثيره. ثم قال: إن محمداً يخالفك. فأقبلت على ابن أبي العباس فقلت له: ما تقول فيما قال أمير المؤمنين؟ قال: لا خلاف بيني وبينك. كلاماً يوهم به أهل المجلس، حبّاً للتسلُّم مني والتخلُّص من مناظرتي،لا على حقيقة التحليل له. فاستغنمت ذلك منه وقلت له: فما لي لا أرى أثر قواه في عقلك؟ فضحك المأمون، فلما رأيت ضحكه أطنبت في معاني تحليل النبيذ، وابن أبي العباس ساكتٌ لا ينطق، وكان قبل دخولي ناطقاً لا يسكت. فلما رأى المأمون سكوته عند حضوري مع كثرة كلامه في ثَلْب كتابي وعيبه كان قبل دخولي، قال متمثِّلاً:

ما لك لا تنبح يا كلب الدَّومْ ... قد كنت نباحاً فما لك اليومْ

ثم نظر إليَّ فقال: إنَّ الكتب عقول قومٍ وراءها عندهم حججٌ لها، فما ينبغي أن يُقضى على كتابٍ إلا إذا كان له دافع عنه، وخصمٌ يبين عما فيه؛ فإن أبناء النِّعم وأولاد الأسْد محسودون.

ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، بإزاء كل حاسد راهن.

وقد قيل في مثلٍ من الأمثال: " الحسن محسود " . وفي مثل آخر: " لن تعدم الحسناء ذاماً " . وقال الأحنف بن قيس:

ولن تصادف مرعىً ممرعاً أبداً ... إلا وجدت به آثار مأكول

يقول: يُعاث في كل مرعىً حسنٍ ويؤكل منه، فيعيبه ذلك.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا