FluentPlex

The Epistles

رسالة في الجد والهزل

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

وخير شركائك من أعطاك ما صفا، وأخذ لنفسه ما كدر. وأفضل خلطائك من كفاك مؤونته، وأحضرك معونته، وكان كلاله عليه، ونشاطه لك. وأكرم دخلائك وأشكر مؤمِّليك من لا يظن انك تسمِّي جزيل مل تحتمل في بذْلك ومواساتك مؤونة، ولا تتابع إحسانك إليه نعمة، بل يرى أن نعمة الشاكر فوق نعمة الواهب، ونعمة الوادّ المخلص فوق نعمةالجواد المُغْني؛ وأنه لا يبلغ في إعطاء المجهود من نفسه في خلع جميع ماله إلى مؤمليه والمتحرِّمين به، حسن نيّة الشاكر الوامق، وحقَّ تمنّي الواد العارف.

ولو اقتضيت جميع حقوقك عليّ، وأنكرت جميع حقوقي عليك، أو جعلت حقِّي عليك حقّاً لك، ثم زعمت أن حقَّك لا يؤدّى إلى شكره، وأن حقّي لا يلزم حكمه، وأن إحساني إساءة، وأن الصغير من ذنوبي كبير، وأنّ اللَّمم مني إصرار، وأن خطائي عمد، وأنَّ عمدي كلَّه كفر، وأن كفري يوجب القمع ويمنع من النُّزوع لما كان عندك. وما اتَّسع قولي لأكثر من هذا العقاب، ولا أشد من هذا الغضب. وما ينبغي أن يكون هذا المقدار من النِّقم إلالباري النَّسم في دار البقاء، لا في دار الفناء. والذي يجوز بين العباد إنما هو تعزير أو حدٌّ، أو قود أو قصاص، أو حبسٌ أو تغريب، أو إغرام أو إسقاط عدالة، أو إلزام اسم العداوة، أو عقاب يجمع الألم والتقويم والتنكيك، فيكون مضض الألم جزاءً له ومعدلاً أسبابه.

وربما قصر الإيقاع على السُّخط وجاوز حدَّ الغضب. وربما كان مقصوراً على مقدارها، ومحبوساً على نهاية حالهما.

وليس كلُّ عقابٍ نتيجة سخط، وقد لا يسمَّى ذلك الموقع والمعاقب واجداً كما يسمَّى ساخطاً، ولا يسمَّى عاتباً كما يسمَّى غضبان، فيخرج كما ترى من أن يسمَّى سُخطاً أو موجودةً وغضباً، كما خرج عقاب آدم عليه السلام من هاتين الصفتين،ومن جميع القسمين. وعلى أنه كان إخراجاً من دار الخلد والكرامة إلى دار الابتلاء والمحنة؛ ومع كا في ذلك من إعراء الجلد، والتَّسمية بالظلم، مع الوصف له بضعف العزْم، والاغترار بيمين الخصم.

والعجب أنك تضجر من طول مسألتنا لعفوك مع حاجتنا إلى عاجل عفوك، ولا تضجر بطول تشاغلك بظلم صديقك مع استغنائك عن ظلم صديقك. فلو كنت إنما تفعل ذلك لأنك تلذُّ ضرب السياط ورضَّ العظام، فجنْب " دندن " أحمل، والسوط في ظهر قاسمٍ أحسن، وأبدانهما تحت السياط أثبت، وإن أرواحهما أبقى، وهي بأرواح الكلاب أشبه، وإلى طبائع الضباب أقرب، وأرحامهم بالحمير أمسُّ، ومن يُشير فيهم بذلك أكثر، والأجر في ضربهم أعظم. فاستدم اللذَّة بطريق اللَّذّة، وضع الأمور في مواضعها يطُلْ سرورك بها.

إن عتاق الخيل وأحرار الطير أدق حسّاً، وأشدُّ اكتراثاً. والكوادن الغلاظ والمحامر الثقال، أكلُّ حسّاً وأقلُّ اكتراثاً. وليس الصَّبر بالصمت والسكوت، ولا بقلة الصِّياح والضُّموز. وقد يصيح تحت السوط من لا يقرُّ على صاحبه، ولا يدل على عورة نفسه. والكلب المضروب يجمع الصِّياح والهرب، والفرس العتيق يعدو ولا يصيح، والحافر كلَّه كظومٌ ضامز، والمخلب كلُّه ضجورٌ صيَّاح، والضَّجر في الخُفّ عامٌّ، والبخاتيُّ أضجر. فسمن الظّلف عامّ، وهو في الضأن أخفى، وكلّ مضروب هارب صيَّاح، ومنها ما يجمع الخصال كالكلب والبعير. والهرب من المكروه محمود، والمقام عليه مذموم؛ كالذي يعتري العير السقيم وتجده في الفرس الكريم، من قلة الاكتراث وشدته.

وصبر البدن غير صبر النفس. وليس بقاء الأرواح المنعقدة تحت الضرب الشديد من اعتزام النفس، ولا يدلّ على الكرم.

وفي المثل: " ما رُوح فلانٍ إلآ رُوح كلب " . وتقول العرب: " الضَّبُّ أطول شيءٍ ذماء " . والكلب لئيم، والضبُّ غير كريم.

والبازي أكرم من الصقر وأشدُّ وأكثر ثمنا، وأجمل جمالاً، وأعفى صيداً، وأنبل نبلا؛ إن قبض عليه قتله، وإن لم ينحِّ كندرته عن قربه أوهن نفسه. ثم بلغ من رقة طبع البازي وعتقه أنه ينقطع بردِّ البازيار له إلى مسقطه من يده. والصقر يتعلق بسباقيه من رجل حمل بدرع فيضطرب منكَّساً إلى الصبح، ثم تجده وكأنه لم يزل على كندرته وعلى مسقطه الذي يؤتّى له.

فليس بدني من أبدان الاحتمال فأمتعك بطول ثباته لك، ولا أثبت لك ثبات العير الكليل الحسّ، ولا أجعل الصياح دليلا على الإقرار، فيكون ذلك أحد ما تتمتَّع به، وتدرك به حاجات نفسك.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا