FluentPlex

The Epistles

حفظك الله وأمتع بك

Original text Public domain

Read with the dictionary

واعلم أنه سيمر بك في معاملات الناس حالاتٌ تحتاج فيها إلى مداراة أصناف الناس وطبقاتهم، يبلغ بك غاية الفضيلة فيها، وكمال العقل والأدب منها، أن تسالم أهلها وتملك نفسك عن هواها، وتكف من جماحها، بالأمر الذي لا يحرجك في دينك ولا عرضك ولا بدنك، بل يفيدك عزَّ الحلم، وهيبة الوقار. وهي أمور مختلفة، تجمعها حالٌ واحدة.

منها: أن تأتي محفلاً فيه جمعٌ من الناس، فتجلس منه دون للوضع الذي تستحقه حتى يكون أهله الذين يرفعونك، فتظهر جلالتك وعظم قدرك.

ومنها: أن يفيض القوم في حديثٍ، عندك منه مثل ما عندهم أو أفضل، فيتنافسون في إظهار ما عندهم، فإن نافستهم كنت واحداً منهم، وإن أمسكت اقتضوك ذلك، فصرت كأنك ممتنٌّ عليهم بحديثك، وأنصتوا لك ما لم ينصتوا لغيرك.

ومنها: أن يتمارى جلساؤك - والمراء نتاج اللجاجة وثمرةٌ أصلها الحمية - فإن ضبطت نفسك كان تحاكمهم إليك، ومعولهم عليك.

واعلم أن طبع النفوس - إذ كان على حسب العلو والغلبة - أن في تركيبها بغض من استطال عليها. فاستدع محبة العامة بالتواضع، ومودة الأخلاء بالمؤانسة والاستشارة، والثقة والطمأنينة.

واعلم أن الذي تُعامل به صديقك هو ضد ما تعامل به عدوك. فالصديق وجه معاملته المسالمة، والعدو وجه معاملته المداراة والمواربة، هما ضدان يتنافيان، يفسد هذا ما أصلح هذا، وكلما نقصت من أحد البابين زاد في صاحبه، إنْ قليلٌ فقليل، وإن كثيرٌ فكثير. فلا تسلم بالمواربة صداقةٌ، ولا تظفر بالعدو مع الاستسلام إليه. فضع الثقة موضعها، وأقم الحذر مقامه، وأسرع إلى التفهم بالثقة، ولا تبادر إلى التصديق، ولا سيَّما بالمحال من الأمور.

واعلم أن كل علمٍ بغائبٍ، كائناً ما كان، إنما يصاب من وجوهٍ ثلاثة لا رابع لها، ولا سبيل لك ولا لغيرك إلى غاية الإحاطات؛ لاستئثار الله بها. ولن تهنأ بعيشٍ مع شدة التحرز، ولن يتسق لك أمرٌ مع التضييع. فاعرف أقدار ذلك.

فما غاب عنك مما قد رآه غيرك مما يدرك بالعيان، فسبيل العلم به الأخبار المتواترة، التي يحملها الوليُّ والعدوُّ، والصالح والطالح، المستفيضة في الناس، فتلك لا كلفة على سامعها من العلم بتصديقها. فهذا الوجه يستوي فيه العالم والجاهل.

وقد يجيء خبرٌ أخصُّ من هذا إلا أنه لا يُعرف إلا بالسؤال عنه، والمفاجأة لأهله، كقوم نقلوا خبراً، ومثلك يحيط علمه أن مثلهم في تفاوت أحوالهم، وتباعدهم من التعارف، لا يمكن في مثله التواطؤ وإن جهل ذلك أكثر الناس. وفي مثل هذا الخبر يمتنع الكذب، ولا يتهيأ الاتفاق فيه على الباطل.

وقد يجيء خبرٌ أخصُّ من هذا، يحمله الرجل والرجلان ممن يجوز أن يَصدق ويجوز أن يكذب، فصدق هذا الخبر في قلبك إنما هو بحسن الظن بالمخبر، والثقة بعدالته. ولن يقوم هذا الخبر من قلبك ولا قلب غيرك مقام الخبرين الأولين أبداً. ولو كان ذلك كذلك بطل التصنع بالدِّين واستوى الظاهر والباطن من العالمين.

ولما أن كان موجوداً في العقول أنه قد يفتش بعض الأمناء عن خيانةٍ، وبعض الصادقين عن كذبٍ، وأن مثل الخبرين الأولين لم يتعقب الناس في مثلهما كذباً قطُّ، علم أن الخبر إذا جاء من مثلهما جاء مجيء اليقين، وأن ما علم من خبر الواحد فإنما هو بحسن الظن والإئتمان.

فهذه الأخبار عن الأمور التي تدركها الأبصار.

فأما العلم بما غاب مما لا يدركه أحدٌ بعيان، مثل سرائر القلوب وما أشبهما، فإنما يدرك علمها بآثار أفاعيلها وبالغالب من أمورها، على غير إحاطة كإحاطة الله بها.

وأول العلم بكل غائبٍ الظنون، والظنون إنما تقع في القلوب بالدلائل، فكلما زاد الدليل قوي الظنُّ حتى ينتهي إلى غاية تزول معها الشكوك عن القلوب؛ وذلك لكثرة الدلائل، ولترادفها.

فهذا غاية علم العباد بالأمور الغائبة.

فمن عرف ما طبع عليه الخلق وجرت به عاداتهم، وعرف أسباب اتصالهم واتصاله بهم، وتقصى علل ذلك، كان خليقاً - إن لم يحط بعلم ما في قلوبهم - أن يقع من الإحاطة قريباً.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account