FluentPlex

The Epistles

حفظك الله وأمتع بك

Texto original Public domain

Leer con el diccionario

وقد قلنا في مناقب جميع الأصناف بجمل ما انتهى إلينا وبلغه علمنا؛ فإن وقع ذلك بالموافقة فبتوفيق الله وصنعه، وإن قصر دون ذلك فالذي قصر بنا نقصان علمنا، وقلة حفظنا وسماعنا. فأما حسن النِّيَّة، والذي نضمر من المحبة والاجتهاد في القربة، فإنا لا نرجع في ذلك إلى أنفسنا بلائمة. وبين التقصير من جهة التفريط والتضييع، وبين التقصير من جهة العجز وضعف العزم، فرقٌ.

ولو كان هذا الكتاب من كتب المناقضات، وكتب المسائل والجوابات، وكان كل صنفٍ من الأصناف يريد الاستقصاء على صاحبه، ويكون غايته إظهار فضل نفسه وإن لم يصل إلى ذلك إلا بإظهار نقص أخيه ووليه، لكان كتاباً كبيراً، كثير الورق عظيماً، ولكان العدد الذي يقضون لمؤلفه بالعلم والاتساع في المعرفة أكثر وأظهر، ولكنا رأينا أن القليل الذي يُجمع خيرٌ من الكثير الذي يفرِّق.

ونحن نعوذ بالله من هذا المذهب، ونسأله العون والتسديد، إنه سميعٌ قريبٌ، فعال لما يريد.

تم الكتاب ولله المنة، وبيده الحول والقوة والله الموفق للصواب.

والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الرسالة الثانية

المعاش والمعاد أو الأخلاق المحمودة والمذمومة

بسم الله الرحمن الرحيم

حفظك الله وأمتع بك

أما بعد فإن جماعات أهل الحكمة قالوا: واجبٌ على كل حكيمٍ أن يحسن الارتياد لموضع البغية، وأن يبين أسباب الأمور ويمهد لعواقبها. فإنما حمدت العلماء بحسن التثبت في أوائل الأمور، واستشفافهم بعقولهم ماتجيء به العواقب، فيعلمون عند استقبالها ما تؤول به الحالات في استدبارها. وبقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم. فأما معرفة الأمور عند تكشفها وما يظهر من خفياتها فذاك أمرٌ يعتدل فيه الفاضل والمفضول، والعالمون والجاهلون.

وإني عرفتك - أكرمك الله - في أيام الحداثة، وحيث سلطان اللهو المخلق للأعراض أغلب على نظرائك، وسكر الشباب والجدة المتحيِّفين للدين والمروءة مستولٍ على لداتك فاختبرت أنت وهم ففقتهم ببسطة المقدرة وحميَّا الحداثة، وطول الجدة، مع ما تقدمتهم فيه من الوسامة في الصورة والجمال في الهيئة. وهذه كلها أسباب تكاد أن توجب الانقياد للهوى، ولججٌ من المهالك لا يسلم منها إلا المنقطع القرين في صحة الفطرة، وكمال العقل. فاستبعدتهم الشهوات حتى أعطوها أزمة أدياتهم، وسلطوها على مروءاتهم وأباحوها أعراضهم، فآلت بأكثرهم الحال إلى ذل العدم وفقد عز الغنى في العاجل، والندامة الطويلة والحسرة في الآجل.

وخرجت نسيج وحدك، أوحدياً في عصرك، حكمت وكيل الله عندك - وهو عقلك - على هواك، وألقيت إليه أزمة أمرك، فسلك بك طريق السلامة، وأسلمك إلى العاقبة المحمودة، وبلغ بك من نيل اللذات أكثر مما بلغوا، ونال بك من الشهوات أكثر مما نالوا، وصرفك من صنوف النعم أكثر مما تصرفوا، وربط عليك من نعم الله التي خولك ما أطلقه من أيديهم إيثار اللهو وتسليطهم الهوى على أنفسهم؛ فخاض بهم سبل تلك اللجج، واستنقذك من تلك المعاطب، فأخرجك سليم الدين، وافر المروءة، نقى العرض، كثير الثراء، بيِّن الجدة. وذلك سبيل من كان ميله إلى اللَّه تعالى أكثر من ميله إلى هواه.

فلم أزل أبقاك اللَّه في أحوالك تلك كلُّها بفضيلتك عارفاً، ولك بنعم اللَّه عندك غابطاً، أرى ظواهر أمورك المحمودة فتدعوني إلى الانقطاع إليك، وأسأل عن بواطن أحوالك فتزيدني رغبةً في الاتصال بك، ارتياداً مني لموضع الخيرة في الأخوَّة، والتماساً لإصابة الاصطفاء في المودة، وتخيُّراً لمستودع الرجاء في النائبة.

فلما محضتك الخبرة، وكشفك الابتلاء عن المحمدة، وقضت لك التجارب بالتقدمة، وشهدت لك قلوب العامة بالقبول والمحبة، وقطع اللَّه عذر كل من كان يطلب الاتصال بك، طلبت الوسيلة إليك والاتصال بحبلك، ومتتُّ بحرمة الأدب وذمام كرمك. وكان من نعمة اللَّه عندي أن جعل أبا عبد اللَّه - حفظه اللَّه - وسيلتي إليك، فوجدت المطلب سهلاً والمراد محموداً، وأفضيت إلى ما يجوز الأمنيَّة ويفوت الأمل، فوصلت إخاي بمودتك، وخلطتني بنفسك، وأسمتني في مراعي ذوي الخاصة بك، تفضلاً لا مجازاة، وتطولاً لا مكافاة، فأمنت الخطوب، واعتليت على الزمان، واتخذتك للأحداث عدةً، ومن نوائب الدهر حصناً منيعاً.

Pasa el cursor sobre cualquier palabra de esta página para ver su significado

Con una cuenta gratuita, pasa el cursor sobre cualquier palabra de la biblioteca para ver su significado, escúchala en voz alta, guarda palabras para repasarlas al ritmo de tu memoria y descubre cuánto de cada libro ya conoces.

Crear cuenta gratuita