وجرَّةٌ تهْدر ملآنةٌ ... تحْكي قراة القسِّ في الدَّيْرِ
وحُبَّةٌ دكْناءُ فضْفاضةٌ ... وطيْلسانٌ حسنُ النَّيْرِ
وبغلةٌ شهباء طيَّارةٌ ... تطْوي لي البلْدان في السَّيْر
وقَينةٌ حسْناء مَمْكورةٌ ... يصرعها الشَّوق إلى أيْري
وبدْرةٌ ممْلوءةٌ عسْجداً ... ما بالَّذي أذْكُرُ من ضيْر
ومنْزل في خيْر ما جيرةٍ ... قد عرفوا بالخيْر والميْر
وصاحب يلزمني دهره ... مثل لزوم الكيس للسَّيْر
مساعدٌ يعجبني فهمه ... مرتفع الهمَّة في الخيْر
كم من فتىً تْبصر ذا هيْئةٍ ... أبلد في المجلس من عير
وذكر أيضاً البغال، فقال:
ما أُراني إلاَّ سأترك بغْدا ... د وأهْوي لكورة الأهوازِ
حيث لا تنكر المعازف واللهْو وشرب الفتى من التَّقْمازِ
وجوارٍ كأنَّهنَّ نجومُ اللَّيْل زُهْرٌ مثْلُ الظِّباءِ الجوازي
واضحاتُ الخدود أُدْمٌ وبيضٌ ... فاتناتٌ ميلٌ من الأعْجازِ
بيْن عوَّادةٍ وأُخرى بصنْجٍ ... في بساتينها وفي الأحْوازِ
ذاك خيْرٌ من التَّردُّدِ في بغْداد تنْزُو بي البغالُ النَّوازي
كُلَّ يومٍ في كُمَّةٍ وقميصٍ ... ورداءٍ من الغُبار طرازي
لمْ يحكْهُ النَّسَّاجُ يوماً لبيعِ ... لا ولا يُشترى من البزَّازِ
أخذت أهلها الشَّياطين بالرَّكْضِ لطول الشَّقاءِ والإعْوازِ
كُلُّ شيْخٍ تخاله حين يبدو ... فوق برذوْنه كشخْصٍ حجازي
وجميل الفُسيْلُ أعنى ابن محْفو ... ظٍ عدُوُّ النَّدى وسلم المخازي
ألفتْ اسْته الفياشل حتَّى ... ما تشكَّى للطَّعْنِ بالعُكَّازِ
يأخذ الأسود الّذي يفرق الحوَّاء منْه كدسْتج المنْحازِ
ليْثُ غابٍ بدبْرهِ حين يَلقى ... وجبانٌ في الحرب يوم البرازِ
بعدتْ داره فلا ردَّهُ اللهُ ولازال نائي الدَّارِ شازي
ذاك شخْصٌ به عليَّ هوانٌ ... كهوان الخُصى على الخبّازِ
الخلق المركب
أمّا ما ذكرنا من أجناس الحيوان المركَّبات، كالبغل والشِّهْري، والمُقْرف، والهجين، وكالبُخْت والبهونيّ، والصَّرصرانيّ، والطير الورْداني، والحمام الراعبيّ، فقد عرفنا كيف تراكيب ذلك، وعرفنا اختلاف الآباء والأُمَّهات. فأمَّا السِّمْع والعسبْار والدَّيْسم والعُدار والزّرافة، فهذا شيء لم أحُقَّه.
وقد أكثر الناس في هذا وفي اللُّخْم، وفي الكوْسج، وفي الدُّلْفين، وفيما يتراكب بين الثعلب والسِّنَّوْر البرّيّ، فإنّ هذا كله إنما نسمعه في الأشعار، في البيت بعد البيت، ومن أفواه رجالٍ لا يُعرفون بالتحصيل والتثبُّت، وليسوا بأصحاب توقٍ وتوقُف.
وإذا كان إياس بن معاوية القاضي يزعم أن الشَّبُّوطة إنما خُلقت من بين الزَّجر والبُنّيّ، وأنَّ من الدليل على ذلك أن الشبّوطة لا يوجد في جوْفها بيضٌ أبداً، لأنّها كالبغلة، فأنا رأيت في جوفها البيْض مراراً، ولكنّه بيضٌ سوْءٍ لا يؤكل، ليس بالعظيم، ولا يستطيل في البطْن كما يستطيل بيض جميع أناث السمك.
والشَّبُّوط جنس يكون ذُكرانه أكثر، فلا يكاد إنسانٌ يقلّ أكله للشبّوط يرى بيض الشَّبُّوط. فإذا كان إياسٌ يغلظ هذا الغلظ، فما ظنُّك بمن دونه.
زواج الإنس بالجن
وقد يكون هذا الذي نسمعه من اليمانية والقحْطانيّة، ونقرأه في كتب السِّيرة، قصَّ به القصّاص، وسمروا به عند الملوك.
وزعموا أنّ بلقيس بنت ذي مشرح، وهي ملكة سبأ، ذكرها الله في القرآن، فقال: " ولها عرْشٌ عظيمٌ " ، زعموا أن أمَّها جنّيّة، وأن أباها إنسيّ، غير أن تلك الجنّيّة ولدت إنسيّةً خالصةً صرْفاً بحتاً، ليس فيها شوْب، ولا نزعها عرْق، ولا جذبها شبه، وأنَّها كانت كإحدى نساء الملوك.