لمْ يعتدل في المنصبين كلاهما ... عند التَّناسب منهما الجنْسانِ
إلاَّ تكن لأبٍ أغرَّ فإنَّها ... تنْمي إلى خالٍ أغرَّ هجانِ
نزعتْ عن الخيْل العتاق نجاءها ... منها، وعتق سوالفٍ ولبانِ
ولها من الأعيار عند مسيرها ... جدٌّ وطول صبارةٍ ومرانِ
قال ذلك لأن حافر العير أوْقح الحوافر، فأعطاه أبوه من الخصْلة التي بان بها من سائر الحوافر.
الخلق المركب
قالوا: وليس في جميع الخلق المركَّب مثل الراعبيّ، الذي هو من نتاج ما بين الورشان والحمام: لم يأخذ من هداية أُمّه شيئاً، ولم يُعْطه أبوه من طول عمره شيئاً.
ومن المركَّب: السِّمْع، والعسبار. وكما تحكي الفلاسفة والمجرِّبون عن الكوْسج، واللُّخْم.
والدَّجاج الخلاسيّ، من بين النَّبطيّ والهنْدي. وإذا كان مثل ذلك بين البيضاء والحبشيّ فهو خلاسيّ، فإذا كان بين البيضاء والسِّنْدي فهو بيْسريٌّ. وكذلك الخلاسيُّ من الكلاب الذي بين الكرْديّ وبين السَّلُوقيّ.
ومثل الجمَّازات التي تجيء بين فوالج البُخْت وقلاص العراب، ومثل البرْذون الشِّهريّ من الرَّمكة والفرس العتيق.
قالوا: فليس يعتدل في شيءٍ من ذلك الشَّبه، كما يعتدل في البغل.
ولذلك قال الشاعر السَّوّاق، وهو إبراهيم مولى المهالبة:
تساهم فيه الخالُ والعمُّ مثلما ... تساهم في البغل الحمارة والطِّرْفُ
فزعم في هذا الشعر أنّ هذا البغل أبوه فرس، وأُمّه أتانٌ. وهذا خلاف ما رواه أبو عُبيْدة. وأنشد أبو عبيدة:
وشاركها في خيمها وهو راغمٌ ... كما شاركتْ في البغل عيْراً حجُورها
لأنهم يقولون: إذا كانت الأم رمكةً، خرج البغل وثيجاً قوياً عريضاً، وإذا كانت الأم حجْراً خرج البغل مُسلَّكاً، طويل العنق، وفيه دقَّة.
وذكر عن بعض الناس أنّه شتم بعض الأشراف، فقال: " عجبتُ لقوم إذا قيل لهم: من أبوكم؟ قالوا: أُمُّنا فرس " .
رجع إلى ذكر بغلة عكرمة
ثم رجع القول بنا إلى ذكر بغلة عكرمة بن ربْعيّ.
قالوا: فلما ألحَّ عكْرمة في ركوب ذلك البغل إلى باب الحجَّاج، كتب إليه بعض بني عمِّه، يردُّ عليه امتداحه البغل باستواء الشَّبه فيه، ويُخوِّفه بالحجَّاج إن ارتفع إليه في الخبر أنَّ صاحب أشراطه يأتي بابه في فُرسان أهل العراق والشام ووجوههم، على بغل.
وقال في كلمةٍ له:
فكيْف بغرْمولٍ وعُمْرٍ سوى الَّذي ... يكون لعيْر الأهل والفرس الفحلِ
ورأْسٍ يجوزُ الخالَ والعمَّ بعد ما ... تحوَّل شحَّاجاً خلافاً على الأصلِ
وليس شحيج البغل من عزف ناهقٍ ... وقد باعد الله الشَّحيج من الصَّهْلِ
متى كان ذو الأشراطِ يركب بغلةً ... ويترك طرْفاً ذا تمامٍ وذا نُبْلِ
عذيري من الحجَّاج إنْ ذاكرٌ نعى ... عليك رُكوب البغل في ساعة الحفلِ
فما لك تجْتاب الهُويْني مُهمْلجاً ... إلى باب حجَّاجٍ على المرْكبِ الرَّذْلِ
أُعيذُك بالرَّحمن من زيِّ تاجرٍ ... شقيٍّ لئيم الكسْبِ ذي خُلُقٍ نذْلِ
بغيضٍ إلى جاراتهِ وبناتهِ ... وعرْسٍ له عرْجاء بارزةِ الرَّحلِ
إذا زارهُ منهم شقيٌّ لحاجةٍ ... توثَّق من باب الخزانة والقفْلِ
وأنْت امرؤٌ تندى بنانك باللُّهى ... إذا ساء ظنُّ النَّاس في الزَّمن المحْلِ
بقيَّة أشياخٍ كسوْك ثيابهم ... وأنت وليُّ القومِ في البأسِ والبذْلِ
صفة البغال في الشعر
ولمّا قال الحكم بن قنْبر في قصيدته في البغل، وفيما يصلح له، ويُرْتفق به منه، وفيها يقول:
وفي الرِّداغ، فإنَّ الوحل مزْلقةٌ ... وفي الطَّحين، وفي الحاجات، والرِّحلِ
وقال مُسلم بن الوليد الأنصاري والحكم بن قنبر مازنيّ، وكان الحكم قد عظُم شأنه في بني تميم، حتى كان يصلِّي على جنائزهم، فلما لجَّ في رأي الشُّعوبيَّة، وقال في ذلك الأشعار، ضربته بنو مازنٍ، وهم مواليه، فلما ألحُّوا عليه في الضرب، نادى: يا آل تميم! فقال أعرابيّ: