FluentPlex

The Epistles

الرسالة الرابعة عشرة

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

ولم نعلم للغيرة في غير الحرام وجهاً، ولولا وقوع التحريم لزالت الغيرة ولزمنا قياس من أحقُّ بالنساء؛ فإنَّه كان يقال: ليس أحدٌ أولى بهنَّ من أحد، وإنَّما هنَّ بمنزلة المشامّ والتُّفَّاح الذي يتهاداه الناس بينهم. ولذلك اقتصر من له العدَّة على الواحدة منهنَّ، وفرَّق الباقي منهنَّ على المقرّبين. غير أنّه لما عزم الفريضة بالفرق بين الحلال والحرام، اقتصر المؤمنون على الحدِّ المضروب لهم، ورخّصوه فيما تجاوزه. فلم يكن بين رجال العرب ونسائها حجابٌ، ولا كانوا يرضون مع سقوط الحجاب بنظرة الفَلْتة ولا لحظة الخُلْسة، دون أن يجتمعوا على الحديث والمسامرة، ويزدوجوا في المناسمة والمثافنة، ويسمَّى المولع بذلك من الرجال الزِّير، المشتَّق من الزيارة. وكلّ ذلك بأعين الأولياء وحضور الأزواج، لا ينكرون ما ليس بمنكر إذا أمنوا المنكر، حتّى لقد حسك في صدر أخي بُثينة من جميل ما حسك من استعظام المؤانسة، وخروج العذر عن المخالطة، وشكا ذلك إلى زوجها وهزَّه ما حشّمه، فكمنا لجميلٍ عند إتيانه بثينة ليقتلاه، فلما دنا لحديثه وحديثها سمعاه يقول ممتحناً لها: هل لك فيما يكون بين الرِّجال والنساء، فيما يشفي غليل العشق ويُطفئ نائرة الشوق؟ قالت: لا. قال: ولم؟ قالت: إنَّ الحبَّ إذا نكح فسد! فأخرج سيفاً قد كان أخفاه تحت ثوبه، فقال: أمّا والله لو أنْعمت لي لملأته منك! فلمَّا سمعا بذلك وثقا بغيبه وركنا إلى عفافه، وانصرفا عن قتله، وأباحاه النظر والمحادثة.

فلم يزل الرِّجال يتحدثون مع النساء، في الجاهلية والإسلام، حتَّى ضُرب الحجاب على أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصَّة.

وتلك المحادثة كانت سبب الوصلة بين جميلٍ وبثينة، وعفراء وعُروة، وكثيِّر وعزَّة، وقيسٍ ولُبنى، وأسماء ومقِّش، وعبد الله بن عجلان وهند.

ثم كانت الشرائف من النساء يقعدن للرِّجال للحديث، ولم يكن النظر من بعضهم إلى بعض عاراً في الجاهلية، ولا حراماً في الإسلام.

وكانت ضباعة، من بني عامر بن قُرط بن عامر بن صعصعة، تحت عبد الله بن جُدعان زماناً لا تلد، فأرسل إليها هشام بن المغيرة المخزوميُّ: ما تصنعين بهذا الشَّيخ الكبير الذي لا يولد له، قولي له حتّى يطلِّقك. فقالت لعبد الله ذلك، فقال لها: إنِّي أخاف عليك أن تتزوَّجي هشام بن المغيرة. قالت: لا أتزوّجه. قال: فإن فعلت فعليك مائة من الإبل تنحرينها في الحزورة وتنسجين لي ثوباً يقطع ما بين الأخشبيْن، والطواف بالبيت عُريانة. قالت: لا أطيقه. وأرسلتْ إلى هشامٍ فأخبرتْه الخبر فأرسل إليها: ما أيسر ما سألك، وما يكرُثك وأنا أيسر قريشٍ في المال، ونسائي أكثر نساء رجل من قريش، وأنت أجمل النِّساء فلا تأبَّيْ عليه. فقالت لابن جُدعان: طلِّقْني فإنْ تزوجت هشاماً فعليَّ ما قلت. فطلَّقها بعد استيثاقه منها، فتزوَّجها هشامٌ فنحر عنها ماءةً من الجُزُر، وجمع نساءه فنسجن ثوباً يسع ما بين الأخشبين، ثم طافت بالبيت عُريانة، فقال المطَّلب بن أبي وداعة: لقد أبصرتها وهي عُريانةٌ تطوف بالبيت وإنِّي لغلامٌ أتْبعها إذا أدبرتْ، وأستقبلها إذا أقبلت، فما رأيت شيئاً مما خلق الله أحسن منها، واضعةً يدها على ركبها وهي تقول:

اليوم يبدو بعضه أو كلُّه ... فما بدا منه فلا أُحلُّه

كم ناظرٍ فيه فما يملُّه ... أخْثم مثل القعْب بادٍ ظلُّه

قال: ثم إنَّ النساء إلى اليوم من بنات الخلفاء وأمّهاتهن، فمن دونهنَّ يطفن بالبيت مكشّفات الوجوه، ونحو ذلك لا يكمل حجٌّ إلا به.

وأعرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نُفيل، وكانت قبله عند عبد الله بن أبي بكر، فمات عنها بعد أن اشترط عليها ألا تتزوَّج بعده أبداً، على أن نحلها قطعةً من ماله سوى الإرث، فخطبها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأفتاها بأن يعطيها مثل ذلك من المال فتصدَّق به عن عبد الله بن أبي بكر، فقالت في مرثيته:

فأقسمت لا تنفكُّ عيني سخينةً ... عليك ولا ينفكُّ جلدي أغبرا

فلما ابتنى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أولم، ودعا المهاجرين والأنصار، فلمَّا دخل عليُّ بن أبي طالب عليه السلام قصد لبيت حجلتها، فرفع السِّجف ونظر إليها فقال:

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا