رأى الحسن قصر الحجاج بواسط فقال: يعمد أحدهم إلى قصر يشيده، وقد حف به ذبان طمع، وفراش نار، فيقول انظروا! قد نظرنا يا أفسق الفاسقين، أما أهل الدنيا فروك، وأما أهل الآخرة فمقتوك. ازدحم الناس على درجة الحسن فتحركت، وكانت رثة، فصاح بهم ابنه، فقال الحسن: مه! ثم قال: لولا أن حان من الدنيا ارتحال، وإلى الآخرة انتقال، لجددنا لكم البناء، شوقاً إلى لقائكم، وحباً لحديثكم، وما عل الدرجة نشفق لكم عليكم، فأربعوا على أنفسكم.
عن مالك بن دينار أنه حضر رجلاً يبني داراً، وهو يعطي الأجراء الدراهم، فمد يده فأعطاه درهما، فطرحه في الطين، فتعجب الرجل وقال: كيف طرحت الدرهم في الطين؟ فقال مالك: أعجب منه أنك طرحت كل دراهمك في الطين، يعني ضيعتها في النباء.
قتادة: من منع زكاة ماله سلط الله عليه الطين.
علي رضي الله عنه: عاد العلاء بن زياد الحارثي فرأى سعة داره فقال: ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة كنت أخوج، وبلى أن شئت بلغت بها الآخرة: تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحمن وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة.
سئل النخعي عن البناء فقال: وزر ولا أجر، فقيل: بناء لا بد منه، فقال: لا أجر ولاوزر.
سلمة الأحمر؛ دخلت قصر الرشيد فقلت:
أما بيوتك في الدنيا فواسعة ... فليت قبرك بعد الموت يتسع
فجعل هارون يبكي.
مر الحسن بقصر فقال: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لأوس، فقال: على ود أوس أن له في الآخرة بدله غيفا.
كان نوح عليه السلام في بيت من شعر ألفاً وأربعمائة سنة، فكلما قيل له: يا رسول الله لو اتخذت بيتاً من طين تأوي إليه، قال: أنا ميت غداً فتاركه، فلم يزل فيه حتى فارق الدنيا.
عمر رضي الله عنه: لي على كل خائن أمينان: الماء والطين. أي إذا شرع العامل في أنباط العيون وبناء الدور علمت أنه جمع المال واحتجه.
قال رجل للحسن: بنيت داراً أحب أن تدخلها وتدعو الله، فدخلها فنظر إليها ثم قال: أخربت دارك، وعمرت دار عيرك، غرك من في الأرض، ومقتك من في السماء.
مر الحسن بدار بعض المهالبة فقال: رفع الطين، ووضع الدين.
كان لشقيق خص يكون هو ودابته فيه، فإذا غزا نقضه، وإذا رجع بناه.
حدث الأصمعي الرشيد انه كان بالبصرة فتى له كوخ من قصب، كان يغشاه الفتيان، فإذا أطربهم سمره، قال بعضهم: غداً علي ألف آجرة، والآخر: علي الجص، والثالث: علي أجرة البناء، فيصير كوخه قصراً من ساعته؛ ثم يصبح فلا يرى شيئاً؛ فقال:
إذا ما طابت الأسمار قالوا ... غدا نبنى بآجر وجص
وكيف يشيد البيان قوم ... يزجون الشتاء بغير قمص
فاستضحك الرشيد وقال: يا أبا سعيد لكنا نبني لك قصراً لا تخاف فيه ما خاف الفتى، ثم أمر له بألفي دينار.
قال الحجاج لإسماعيل بن الأشعث، وكان محمقاً، كيف ترى قصري؟ قال: أرى قصراً استعظم المؤونة على من أراد هدمه.
أنشد الجاحظ:
كأن قصور القوم ينظرن حلون ... إلى ملك موف على منبر الملك
يدل عليها مستطيراً بحسنه ... ويضحك منها وهي مطرقة تبكي
أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام: بئس بيت الرجل المسلم بيت العروس، يذكر الدنيا وينسى الآخرة.
دار أصلها في التخوم، وفرعها في النجوم.
قيل لأعرابية: أين منزلك؟ قالت: أغيب في الليل إذا عسعس، وأنقلب في النهار إذا تنفس، ثم اتخذت منزلاً فسئلت عنه، فقالت:
فأما على كسلان وإن فساعة ... وأما على ذي حاجة فقريب
محمد بن واسع: قدمت مكة فسمعت سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل السوق فقال لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة. فقدمت خراسان فقلت لقتيبة بن مسلم: جئتك بهدية، فحدثته بالحديث، فكان يركب في موكبه حتى يأتي السوق، فيقولها ثم ينصرف.
النبي صلى الله عليه وسلم: إياكم والأسواق، فإن الشيطان قد باض بها وفرخ.