والتفويض إليه، والنزاهة عن المطمع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبة وسواء ابني خالد: لا تيأسا من روح الله ما تهزهزت رؤوسكما، فإن أحدكم يولد أحمر لا قشر عليه ثم يكسوه الله ويرزقه.
وعنه عليه الصلاة والسلام: القناعة مال لا ينفد.
حدث الأعمش عن أبي وائل قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان الفارسي، فجلسنا عنده فقال: لولا أن رسول الله نهانا عن التكلف لتكلفت لكم، ثم جاء بخبز وملح ساذج لا أبزار عليه، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر. فبعث سلمان بمطرته فرهنها على الصعتر. فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي أقنعنا بما رزقنا. فقال سلمان: لو قنعت بما رزقك الله لم تكن مطهرتي مرهونة.
لقمان الحكيم: كفى بالقناعة عزاً، وبطيب النفس نعيماً.
عيسى عليه السلام: اتخذوا البيوت منازل، والمساجد مساكن، وكلوا من بقل البرية، واشربوا من الماء القراح، واخرجوا من الدنيا بسلام.
عباد بن منصور: كان بالبصرة من هو أفقه من عمرو بن عبيد وأفصح، ولكنه أصبر عن الدرهم والدينار، فساد أهل البصرة.
قال له خالد بن صفوان: لم لا تأخذ مني؟ قال: لا يأخذ أحد من أحد إلا ذله، وأنا أكره أن أذل لغير الله. وكان معاشه من دار غلتها كل شهر دينار.
كان الناس يكسبون الرغائب بعلم الخليل، وهو فيما بين أخصاص البصرة لا يلتفت إلى الدنيا ولا يطلبها.
سأل ابن سيرين عن أرخص ما يباع في السوق، فقيل: السمك الصغار. فقال: اجعلوا أدمي منه.
وهب: أرملت مرة حتى كدت أقنط، فأتاني آت في المنام ومعه شبه لوزة، فقال: افضض، ففضضتها فإذا حريرة فيها ثلاثة أسطر: لا ينبغي لمن عقل عن الله أمره، وعرف لله عدله، أن يستبطئ الله في رزقه. ثم أعطاني فأكثر.
قيل للحسن: إن أبا ذر كان يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة. فقال الحسن: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن الاختيار من الله لم يتمن أنه في غير الحال التي اختارها الله له.
العمري: انقطعتم إلى غير الله فما ضيعكم، فإن انقطعتم إلى الله خفتم الضيعة.
في بعض الكتب: يقول الله: يا ابن آدم، أتخاف أن أقتلك بطاعتي هزلاً وأنت تتفتق بمعصيتي سمناً؟ قيل لأبي حازم: ما مالك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس. وروى شيئان لا عيلة علي معهما: الرضا عن الله والغنى عن الناس.
العمري: يا ابن آدم، الطير لا يأكل رغداً، ولا يخبئ لغد، وأنت تأكل رغداً، وتخبئ الغد. فأحسنت الطير الظن بالله، وأسأت ظنك بالله.
حبس عمر بن عبد العزيز الغداء على مسلمة حتى برح به الجوع ثم دعا بشربة سويق فسقاه، حتى إذا انتفخ بطنه دعا بالغداء، فلم يقدر على الأكل. فقال: يا مسلمة، أما يكفيك من الدنيا ما ترى؟ قال: بلى، قال: فعلام التهافت في النار؟ وروي: التقحم.
أنشد المبرد:
إن ضن يحيى بما في بطن راحته ... فالأرض واسعة والرزق مبسوط
إن الذي قدر الأرزاق حكمته ... لم ينسني قاعداً والرحل محطوط
عبد الواحد بن زيد: ما أحسب شيئاً من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا، ولا أعلم درجة أرفع من الرضا، وهو رأس المحبة.
قال ابن شبرمة في محمد بن طارق: لو أن أحداً اكتفى بالتراب لاكتفى به.
أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: قل لعبادي المستخطين لرزقي: إياكم أن أغضب فأبسط عليكم الدنيا.
قالت رابعة لسفيان: أترى الله عليك غضبان؟ قال: لا أدري، قالت: ومن أعلم بذلك منك؟ أنظر إن كنت عنه راضياً فهو عنك راض.
قيل: متى يكون العبد راضياً عن ربه؟ قالت: إذا سرته المصيبة كما سرته النعمة.
كان عبد الله بن مرزوق من ندماء المهدي، فسكر يوماً ففاتته الصلوات فجاءت جارية بجمرة فوضعتها على رجله، فانتبه مذعوراً، فقالت له: لم تصبر على نار الدنيا، فكيف تصبر على نار الآخرة؟ فقام فصلى الصلوات، وتصدق بما معه، وذهب يبيع البقل.
فدخل عليه فضيل وابن عيينة، فإذا تحت رأسه لبنة وما تحت جنبه شيء، فقالا: إنه لم يدع أحد شيئاً إلا عوضه الله منه بدلا، فما عوضك مما تركت له؟ قال: الرضا بما أنا فيه.