وكان أبو الفضل ابن العميد إذا امتحن رجلاً من أهل العلم سأله عن بغداد، فإن وجده متنبها على خصائصها، وعن الجاحظ فإن رآه متسبا إلى مطالعة كتبه، رجح في عينه، وإلا لم يعبأ به. ولما رجع الصاحب من بغداد سأله، فقال: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد.
وفي ديوان المنظوم:
أفاضل الدنيا وأن برزوا ... لم يبلغوا غاية أستاذها
أما ترى أمصارها جمة ... ولا ترى مصراً كبغداذها
قالوا: ومن عجيب شأنها وهي موطن الخلفاء أنه لا يموت بها خليفة.
قال عمارة بن عقيل:
أعانيت في طول من الأرض أو عرض ... كبغداد داراً أنها جنة الأرض
قضى ربها أن لا يموت خليفة ... بها أنه ما شاء في خلقه يقضى
ولما فرغ المنصور من بنائها في سنة ست وأربعين ومائة أمر فوبخت المنجم أن يأخذ طالعا، فوجد المشتري في القوس، فحكم بظهور فضلها على سائر البلاد فسر المنصور بذلك، وقرأ: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " ثم قال: وخصلة أخرى أنه لا يموت بها خليفة أبداً.
الخورنق بناه النعمان بن امرىء القيس الاكبر، بناه بأمر كسرى لبهرام جور، وكان كسرى قد جعل بهرام في حجره، فأمر ببنائه له، لئن الأطباء اجتمعوا على أنه أطيب مكان هواء بالعراق.
النبي صلى الله عليه وسلم: دخل إبليس العراق فقضى حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ.
بلغ خراج مصر في بعض الأزمنة أربعة آلاف ألف دينار.
قال هشام بن عبد الملك لأخيه محمد:
أبعد قرى مصر تبوأت ظلة ... ستعلم غدواً أي بيعك أربح
فرحت بأن فارقت مصر وأهلها ... ومصر بأن فارقتها منك أفرح
من أقام بالموصل حولاً وجد في قوته فضلاً، ومن أقام بالأهواز حولاً، وهو ذو فراسة، وجد فيها نقصاناً.
الأهواز ينسب إليها السكر والديباج والخز، يقال: ديباج تستر، وخز السوس وهما من الأهواز. قال كشاجم في وصف روض:
كأن الذي دبجت تستر ... وطرزت السوس فيه نشر
وأنشدت:
تمشي كما رنحت ريح يمانية ... غصناً من البان غضاً طله الديم
في حلة من طراز السوس معلمة ... تمحو بأذيالها ما أثر القدم
وقال أبو نصر العتبي: للهم في وخز النفوس أثر السوس في خز السوس.
دخل الرشيد منبج فقال لعبد الملك بن صالح الهاشمي، وكان لسان بني العباس، هذا البلد مقر لك، قال: يا أمير المؤمنين هو لك، ولي بك؛ قال: كيف منازلك به؟ قال: دون منازل أهلي، وفوق منازل غيرهم؛ قال: كيف صفة مدينتك هذه؟ قال: عذبة الماء، طيبة الهواء، قليلة الأدواء؛ قال: كيف ليلها؟ قال: سحر كله، وأين بها عن الطيب، وهي تربة حمراء، وسنبلة صفراء، وشجرة خضراء، وفياف فيح، بين قيصوم وشيح؛ قال الرشيد: هذا الكلام، والله أحسن منها.
كسكر أحدى كور السواد من طساسيج دجلة والفرات ينسب إليها الدجاج المسمن، ربما بلغت الواحدة وزن الجدى والحمل.
قال:
لنا سمك نكببه مشهر ... وعند غلامنا جنب مبزر
وفروجان قد رعيا زماناً ... لباب البر في أبيات كسكر
وينسب إليها الجداء والسمك الصحناة.
كان الرشيد يقول لموسى الكاظم بن جعفر: يا أبا الحسن خذ فدك حتى أردها عليك، فيأبى، حتى ألح عليه فقال: لا آخذها إلا بحدودها، قال: وما حدودها؟ قال: يا أمير المؤمنين أن حددتها لم تردها، قال: بحق جدك إلا فعلت، قال: أما الحد الأول فعدن، فتغير وجه الرشيد وقال: هيه، قال: والحد الثاني سمرقند، فاربد وجهه، قال: والحد الثالث أفريقية، فاسود وجهه وقال: هيه، قال: والرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية، قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء فتحول في مجلسى؛ قال موسى: قد أعلمتك أني أن حددتها لم تردها. فعند ذلك عزم على قتله، واستكفى أمره يحيى بن خالد. فأراه بثرة خرجت في كفه وقال: هذه علامة أهل بيتنا قد ظهرت بي، وأنا أقضى عن قرب، فقد كفيت أمري. فتركه يحيى ومات بعد أيام.
وأنى وأرضاً أنت فيها ابن معمر ... كمكة لم يطرب لأرض حمامها
إذا اخترت أرضاً للمقام رضيتها ... لنفسي ولم يغلظ علي مقامها