قال عبد الملك عند موته: يا وليد، لا أعرفنك إذا أنا مت تجلس وتعصر عينك، ونحن كما تخن الأمة الوكعاء، لكن ائتزر وشمر والبس جلد النمر، وضعني في حفرتي، وخلني وشأني ، وعليك وشأنك. وادع الناس إلى بيعتك، فمن قال بوجهه هكذا فقل بسيفك هكذا. ثم بعث إلى محمد وخالد ابني يزيد بن معاوية، فقال لهما: هل بكما من ندامة على بيعة الوليد؟ قالا: ما نعرف أحق بالخلافة منه. قال: أولى لكما! والله لو قلتما غير ذلك لأخذت الذي فيه أعينكما، ثم رفع ثني فراشه فإذا سيف مجرد، ونفسه تتردد في حنجرته، وهو يقول: الحمد لله الذي لا يبالي أصغيراً أخذ من خلقه أم كبيراً، حتى فاضت نفسه.
ودخل الوليد ومعه بناته يبكين عليه، فتمثل:
ومستخبر عنا يريد بنا الردى ... ومستخبرات والعيون سواجم
وكان الطبيب قد حماه الماء، فقال: اسقوني شربة وإن كانت فيها نفسي، فسقوه فمات.
ابن عمر رفعه: ما حق امرئ مسلم له مال يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده، وكانت وصية ابن عمر لا تفارق جيبه.
وعن ابن عمر توشك المنايا تسبق الوصايا.
جابر رفعه: الذي يوصى عند الموت كالذي يقسم ماله عند الشبع.
ابن عباس رضي الله عنه: الضرار في الوصية من الكبائر.
معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه: من حضرته الوفاة فأوصى، وكانت وصيته على كتاب الله، كانت كفارة لما ترك من زكاته في حياته.
الفضل بن عباس: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم موعكاً قد عصب رأسه، فأخذت بيده حتى جلس على المنبر، ثم قال: ناد في الناس، فاجتمعوا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه قد دنا مني خفوق من بين أظهركم، من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد مني، ومن كنت شتمت له عرضاً فليستقد مني، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يقل أحد أني أخشى الشحناء من رسول الله، ألا إن الشحناء ليست من طبيعتي ولا شأني. ألا وإن أحبكم إلي من أخذ حقاً إن كان له، أو حللني فلقيت الله وأنا طيبة نفسي، وقد أرى أن هذا غير مغن عني حتى أقوم فيكم مراراً.
وذكر أنه رجع فقال مثله، وأن رجلاً ذكر أن له عليه ثلاثة دراهم فقضاها. وأن عكاشة بن محصن قال: رفعت قضيبك الممشوق لتضرب العضباء، وأنا بقربك، فأصابني، فأتى به فقال: يا عكاشة فاقتص مني قبل القصاص يوم القيامة، فكرر قوله فضوح الدنيا أهون من فضوح يوم القيامة، فقال: ضربتني وأنا عريان، فألقى جبة من صوف كانت عليه، فخر عليه يقبله ويمرغ عليه وجهه ويقول: أعوذ بهذا البطن من النار. فقال: يا عكاشة أعاذك الله من النار. ثم قال: عفوت عنك يا رسول الله، فقال عفا الله عنك كما عفوت عن نبيه.
اجتمع الحسن والفرزدق في جنازة النوار بنت أعين بن ضبيعة امرأته، فقال الفرزدق: يقولون فيها خير الناس وشر الناس. فقال الحسن: لست أنا بخير الناس، ولا أنت بشر الناس، ثم قال له: يا أبا فراس ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة، قال الحسن: هذا العمود فأين الطنب؟ فقال الفرزدق:
أخاف وراء القبر إن لم تعافني ... أشد من القبر التهاباً وأضيقا
إذا جاءني يوم القيامة قائد ... عنيف وسواق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى الموت مغلول القلادة أزرقا
فبكى الحسن حتى بل كمه.
عثمان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، قلنا: وثلاثة. قال: وثلاثة، قلنا: واثنان، قال: واثنان. ولم نسأله عن واحد.
ثوبان: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فرأى ناساً ركوباً، فقال: ألا تستحيون؟ إن ملائكة الله يمشون على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب.
أنس: شكا رجل إلى رسول الله قسوة قلبه، فقال: اطلع على القبور، واعتبر بالنشور.
عثمان رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه. وكان عثمان إذا وقف على قبر بكى ما لا يبكي عند ذكر الجنة والنار. فقيل له، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج فما بعده شر منه.