يقال لمن شرب الدواء: كم لبست نعلك؟ كم تخطيت إلى بيت الكرامة؟ كم جدا برقك وسح سحابك، وكم سارت بك الناقة إلى المنزل الخالي.
لو كانت العلة مما يحتمل لتقمصت قميصها دونه، ولو كانت الصحة مما يتحلل لخلعت سربالها عليه.
الجرب علة إذا عرضت للمرء هربت عن فراشه عرسه، بل نفرت عن نفسه نفسه، وهو ربع من أرباع الخسران، وقسم من أقسام الخذلان.
أعاذك الله من أشياء أربعة ... الموت والعشق والإفلاس والجرب
شاعر:
وظنوا بالعيادة وهي أجر ... كأن عيادتي بذل الطعام
عليك بالحمية فإنها طابع الصحة، فلئن تصبر على الحمية مدة طويلة أحسن من أن تقاسى ساعة نفساً عليلة.
كفى بالمرء عاراً أن يكون صريع ماكله، وقتيل أنامله، فكم لقمة أكلت نفس حر، وأكلة منعت أكلات دهر.
الأكل فوق المقدار يضيق على الروح ساحته.
راع غداك تحكم به مناك.
من غرس الطعام جنى ثمرة السقام.
رائد بن الغطريف الطائي:
يقولون لا تشرب نسياً فإنه ... واركت حسراناً عليك وخم
لئن لبن المعزى بماء مؤيسل ... بغاني داء أنني لسقيم
النسي المحض يصب عليه ماءً فيشرب، وتفسيره في البيت الثاني.
أبو حكيمة:
أ يحسدني إبليس دائين أصبحا ... برأسي ورجلي دملاً وزكاما
فليتهما كانا به وأزيده ... زمائة شيخ لا يريد قياما
بعض أهل البيت كان إذا أصابته علة جمع بين ماء زمزم وماء السماء، والعسل، واستوهب من مهر أهله شيئاً. وكان يقول: قال الله تعالى: وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً، وقال: فيه شفاء للناس، وقال عليه السلام: ماء زمزم لما شرب له، وقال تعالى: فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً. فمن جمع بين ما بورك فيه، وما فيه شفاء، وبين الهنئ والمرئ، يوشك أن يلقى العافية.
رجل من بني عجل:
وشى بي واش عند ليلى سفاهة ... فقالت له ليلى مقالة ذي عقل
وخبرها أني عرجت فلم تكن ... كورهاء تجتر الملامة للبعل
وما بي من عيب الفتى غير أنني ... جعلت العصا رجلاً أقيم بها رجلي
ابن الرقاع العاملي:
لقد تباشر أعدائي بما لقيت ... رجلي وكم من كريم سيد عثرا
رجلي التي كنت أرقى في الركاب بها ... فاستقل وأرضى خطوها البشرا
محبوكة مثل أنبوب القناة لها ... عظم تكمش عنه اللحم فانحسرا
ليت الذي مس رجلي كان عارضه ... بحيث ينبت مني الحاجب الشعرا
في ديوان المنثور: كم من أعرج في ديوان المعالي أعرج، وكم من صحيح قدم ليس له في الخير قدم. يصبح للأسقام كالغرض للسهام، أخطأ رام وأصاب رام. من الصم من يسمع السرار، وإذا رفعت له الصوت لم يسمع. ورأينا من العمش من لا يثبت صورة الإنسان من قرب ويقرأ الخط الدقيق في حواشي الكتب.
مدح طريف بن سوادة عمرو بن هداب، وكان أبرص، فلما انتهى إلى قوله:
أبرص فياض اليدين أكلف ... والبرص أغدي باللهى وأعرف
صاح به الناس وقالوا: قطع الله لسانك. فقال عمرو: مه. البرص من مفاخر العرب، أما سمعتم قول ابن حبناء:
إني امرؤ حنظلي حين تنسبني ... لا من عتيك ولا أخوالي العوق
لا تحسبن بياضاً في منقصة ... إن المهاميم في أقرانها بلق
أو ما سمعتم قول ابن مسهر:
أيشتمني زيد بأن كنت أبرصاً ... وكل كريم لا أبالك أبرص
أو ما سمعتم قول الآخر:
يا كأس لا تستنكري نحولي ... ووضحاً أوفى على خصيلي
فإن نعت الفرس الرحيل ... يكمل بالغرة والتحجيل
ثم قال لطريف: أما تحفظ فيه شيئاً؟ فأنشد:
ليس يضر الطرف توليع البهق ... إذا جرى في حلبة الخيل سبق
الجاحظ أنشدني أبو نواس لبعض بني نهشل:
نفرت سودة مني أن رأت ... صلع الرأس وفي الجلد وضح
قلت يا سودة إني والذي ... يفرج الكربة عنا والكلح
هو زين لي في الوجه كما ... زين الطرف نحاسين الفرح
وزعم أبو نواس أنهم كانوا يتبرتون به، وجذيمة الوضاح يفتخر به.