تجهز النابغة الذبياني واسمه زياد بن عمرو بن زبان بن سيار الفزاري للغزو، فلما أراد الرحيل نظر إلى جرادة سقطت عليه، فقال: جرادة تجرد وذات لونين، غيري من خرج في هذا الوجه ولم يلتفت زبان إلى طيرته، فمر ورجع غانماً فقال:
تخير طيرة فيها زياد ... لتخبره وما فيها خبير
أقام كأن لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير
تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور
بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحاييناً وباطله كثير
بعضهم: حضرت الموقف مع عمر رضي الله عنه فصاح صائح: يا خليفة رسول الله، فقال رجل من بني لهب، وفيهم العيافة، دعاه باسم ميت، مات والله أمير المؤمنين.
فلما وقفنا للجمار إذا حصاة قد صكت صلعة عمر فأدمتها، فقال قائل: أشعر والله أمير المؤمنين دماً. فإذا أنا باللهبي يقول: والله لا يقف هذا الموقف أبداً. فقتل قبل أن يحول الحول. وإنما قيل ذلك لأنهم يقولون: دية المشعرة كذا؟ يريدون دية الملوك، اسم لقتلاهم خصوصاً قال كثير:
تيممت لهباً أبتغي العلم عندها ... وقد صار علم العائفين إلى لهب
رأى سطيح مثل عند العرب، وكانوا فيما يزعمون يطوي كما يصوي الحصير ويتكلم بكل أعجوبة في الكهانة. وكذلك شق الكاهن وكان نصف إنسان.
قال ابن الرومي:
لك رأي كأنه رأي شق ... وسطيح قريعي الكهان
يستشف الغيوب عما يوار ... ين بعين جلية الإنسان
رأى مزيد خاتم ذهب في يد جارية، فقال: ناوليني خاتمك أذكرك به، قالت: هذا ذهب وأخاف أن تذهب، ولكن خذ هذا العود فلعلك تعود.
الجاحظ: كان مسيلمة قبل التنبؤ يدور في الأسواق كسوق الأبله، وسوق بقة، وسوق الحيرة، يلتمس تعلم الحيل والنيرنجيات، واحتيالات أصحاب الرقى والنجوم، وكان قد أحكم حيل الحواة وأصحاب الزجر والخط، فمن ذلك أنه صب على بيضه من خل حاذق قاطع فلانت، حتى إذا مددتها استطالت واستدقت كالعلك، ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس، وتركها حتى انضمت واستدارت وعادت كهيأتها الأولى، فأخرجها إلى قومه، وهم قوم أعراب، وادعى النبوة فآمن به جماعة، وقيل فيه:
ببيضة قارور وراية شادن ... وتوصيل مقصوص من الطير جاذف
يريد براية الشادن الراية التي يعملها الصبي من القرطاس الرقيق ويجعل لها ذنباً وجناحاً ويرسلها يوم الريح بالخيوط الطوال، كان يعمل رايات من هذا الجنس، ويعلق بها الجلاجل، ويرسلها في ليلة الريح، ويقول: الملائكة تنزل علي، وهذه خشخشة الملائكة وزجلها، وكان يصل جناح الطائر المقصوص بريش معه فيطير.
الدجاجة يتفاءل بذكرها. حكي أنه لما ولد لسعيد بن العاص عنبسة، قال سعيد لابنه يحيى: أي شيء تنحله؟ قال: دجاجة بفراريجها! وإنما أراد احتقاره بذلك لأن أمه كانت أمة، فتفاءل سعيد وقال: إن صدق الطير ليكونن أكثركم ولداً. فكان كما تفاءل. وهم بالمدينة والكوفة.
عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال على منبر البصرة: إن الكلاب من الحن، وإن الحن من ضعفاء الجن، فإذا غشيكم منها شيء فألقوا إليه شيئاً أو اطردوه، فإن لها أنفس سوء.
قال الجاحظ: علماء الفرس والهند، وأطباء اليونانيين، ودهاة العرب، وأهل التجربة من نازلة الأمصار، وحذاق المتكلمين يكرهون الأكل بين يدي السباع. يخافون عيونها، للذي فيها من النهم والشره، ولما ينحل عند ذلك من أجوافها من البخار الرديء، وينفصل من عيونها مما إذا خالط الإنسان نقضه وأفسده. وكانوا يكرهون قيام الخدم بالمذاب والأشربة على رؤوسهم مخافة العين. وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا.
وكانوا يقولون في الكلب والسنور: إما أن يطردوا وأما أن يشغل بما يطرح له.
وقالوا: نفوس السباع أردأ وأخبث لفرط شرهها. قالوا: ونظيره أن الرجل يضرب الحية بعصاه فيموت الضارب، لأن السم فصل من الحية فسرى فيها حتى داخله. ويديم الإنسان النظر إلى العين المحمرة فتعتري عينه حمرة، والثوباء تعدي أعداء ظاهراً.
ورأيت من المتكلمين من يكره دنو الطامث من اللبن لتسوطه، لأن لها رائحة وبخاراً يفسد ذلك السوط.
وعن الأصمعي: أن عيوناً كان يقول: إذا وجدت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني.