أبو هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا في المجس ويحدثنا، فإذا قام قمنا قياما واحداً حتي نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه، فحدثنا يوما، فقمنا حين قام، فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه فجبذه بردائه فحمر رقبته، وكان رداؤه خشنا، فألتفت فقال له الأعرابي: أحملني على بعيري هذين فإنك لا تحملني من مالك ولا من مال أبيك. فقال: لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا أحملك حتى تقيدني من جبذتك التي جبذتني، فكل ذلك يقول له الأعرابي: والله لأقيدكها، ثم دعا رجلا فقال له أحمل له بعيريه هذين، على بعير شعيرا وعلى الآخر تمرا.
جعل عمرو بن الأهتم لرجل ألف درهم على أن يسفه الأحنف فلم يأل في شتمه والأحنف مطرق صامت، فأقبل يعض إبهاميه ويقول: والله ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه، إلى أن أراد القيام إلى الغداء، فقال له: إن غداءنا قد حضر فأنهض بنا إليه أن شئت، فإنك منذ اليوم تحدو بجمل ثقال.
جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمه، ولم تكن بمنصب مرضي؛ فأتاه وهو بمصر أمير عليها، فقال: أردت أن أعرف أم الأمير، فقال: نعم، كانت امرأة من عنزة ثم بني عجلان تسمى ليلى وتلقب النابغة، أذهب فخذ فأجعل لك.
وقال رجل لآخر: لو قلت واحدة لسمعت عشرا؛ فقال: لو قلت عشرا لما سمعت واحدة.
سب رجل رجلا فلم يلتفت إليه، فقال له: إياك أعني، قال: وعنك أعرض.
قال شامي: دخلت المدينة فرأيت رجلا على بغلة، لم أر أحسن لباسا منه ولا أفره مركبا، فسألت عنه فقيل الحسن بن علي، فأمتلأت له بغضا، فدنوت منه فقلت: أأنت ابن أبي طالب؟ قال: أنا ابن ابنه، قلت: فبك وبأبيك أسبهما، قال: أحسبك غريبا، قلت: أجل، قال: إن عندنا منزلا واسعا ومعونة على الحاجة ومالا نواسي به، فأنطلقت وما على وجه الأرض أحب إلي منه.
سمعت ببعض الحكماء امرأة وهو صامت، فأشتد غيظها من سكوته، فصبت عليه غسالة الثياب على رأسه وعلى كتاب نفيس في يده، فرفع رأسه وقال: رأيتك من زمان تبرقين وترعدين حتى أمطرت الساعة.
الحسن: أن أفضل رداء تردي به الحلم، وهو والله أحسن عليك من برد الحبر. وفيه نظر أبو تمام حيث قال:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت في أنه برد
وبهذا يلجم الغاض منه. كما وصفه المسيب بن علي بالعذوبة والطيب قال:
وكالشهد بالراح أحلامهم ... وأحلامهم منهما أعذب
وكالمسك ترب مقاماتهم ... وترب قبورهم أطيب
وليس يلازم إذا شبه الحلم في رجاحته بالجبل أن لا يشبه في حسنه بالبرد المحبر، وفي طيبه بالشهد مع الراح.
شاعر
وإذا الجهول طمت به غلواؤه ... فأجعل له الحلم الرصين لجاما
الحليم قدام السفيه.
علي عليه السلام: أول غرض لحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل.
أغضب زيد بن جبلة الأحنف فوثب إليه فأخذ بعمامته وتناصيا فقيل له: أين الحلم؟ قال: لو كان دوني أو مثلي لحلمت ورأوه يدق الرماح في الصدور في بعض أيام صفين، فقيل له: أين خلفت الحلم يا أبا بحر؟ قال: عند عقد الحبي.
الحليم سليم، والسفيه كليم.
ما تقلد امرؤ قلادة أحسن من حلم.
الأحنف: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال.
مسكين الدارمي:
وعوراء من قيل امرىء قد رددتها ... بسالمة العينين طالبة عذرا
ولو أنني إذا قالها قلت مثلها ... أو أكبر منها أورثت بيننا غمرا
فأعرضت عنه وأنتظرت به غدا ... لعل غداً يبدي لناظره أجرا
لأنزع ضباً جائماً في فؤاده ... وأقلم أظفاراً أطال بها حفرا
جاء الأحنف إلى باب بعض الأمراء فجلس ينتظر الأذن، فمرت به سقاءة فقالت: يا شيخ أحفظ علي قربتي حتى أعود: فخرج الآذن بالأذن، فقال: أن معي وديعة؛ ولم يزل قاعدا حتى جاءت السقاءة.
وعنه: ما يسرني بنصيبي من الذل حمر النعم، فقال له رجل: أنت أعز العرب، قال: الناس يرون الحلم ذلا.
أنتهى الشعبي إلى قوم في المسجد يذكرونه، فأخذ بعضادتي الباب وأنشد:
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما أستحلت
وشتمه رجل فقال: أن كنت كاذبا فغفر الله لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لي.