فمن ذا الذي نرجو لحقن دمائنا ... ومن ذا الذي نرجو لحمل النوائب
أنشد الجاحظ:
وعوراء من قيل امرىء قد رددتها ... بسالمة العينين طالبة عذرا
ولو أنني إذ قالها قلت مثلها ... أو أكبر منها أورثت بيننا غمرا
فأعرضت عنها وأنتظرت به غداً ... لعل غداً يبدي لمنتظر أمرا
لأخرج ضباً كان تحت ضلوعه ... أقلم أظفاراً أطال لها الحضرا
أنوشروان: وجدنا للعفو من اللذة ما لم نجده للعقوبة.
ربما وفي ظنين وهفا أمين.
النبي صلى الله عليه وسلم: عفو الملوك بقاء الملك؛ رواه ابن الكلبي عن أبي صالح.
في بعض الكتب: أن كثرة العفو زيادة في العمر. وأصله قوله تعالى: " وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " .
بليغ: تاب توبة قيد إليها بخزامة الأضرار، لا بحزامة الأختيار.
هجا دعبل المأمون بقوله:
أتي من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله ... وأستنفذوك من الحضيض الأوهد
وكاتبه أبا عباد بقوله:
وكأنه من دير هزقل مفلت ... حرد يجر سلاسل الأقياد
فقيل للمأمون فقال: من جسر أن يهجو أبا عباد، على نزقه وعجلته، جسر أن يهجوني، على تأني وعفوي. وأنشد المأمون أبا عباد هجاءه، فأنشده أبو عباد ما هجاه به، فضحك وقال: فإني قد عفوت عنه فلا تعرضن له، ولك في أسوة حسنة؛ ثم قال: سبحان الله!! أما يستحي دعبل من الكذب؟ متى كنت خاملا وبدر الخلافة غذيت، وفي حجرها ربيت، خليفة وابن خليفة وأخو خليفة؟.
علي رضي الله عنه: أعظم الذنوب ما أستخف به صاحبه.
الحسن: أن العبد ليصيب الذنب ليلا فيصبح وعليه مذلته.
قال يزيد بن مزيد: أرسل إلي الرشيد ليلاً يدعوني، فأوجست منه خيفة؛ فقال: أنت القائل أنا ركن الدولة، والثائر لها، والضارب أعناق بغاتها؟ لا أم لك!! أي ركن لك، وأي ثائر أنت؟ وهل كان منك إلا نفجة أرنب رعبت قطاة جثمت بمفحصها؟ قلت يا أمير المؤمنين ما قلت هذا، إنما قلت: أنا عبد الدولة، والفائز بها؛ فأطرق وجعل ينحل غضبه عن وجهه، ثم ضحك؛ فقلت: أسر من هذا قولي:
خلافة الله في هارون ثابتة ... وفي بنيه إلى أن ينفخ الصور
أرث النبي لكم من دون غيركم ... حق من الله في القرآن مسطور
فقال: يا فضل، أعطه مائتي ألف درهم قبل أن يصبح.
عفا المأمون عن إبراهيم بن المهدي، ثم قال: لو علم أهل الجرائر لذتي في العفو ما أرتكبوها.
وعنه: لو عرف الناس رأيي في العفو لما تقربوا إلي إلا بالجنايات، ومنه أخذ من قال:
تبسطنا على الآثام لما ... رأينا العفو من ثمر الذنوب
معاوية: إني آنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوي، وحاجة لا يسعها جودي.
إبراهيم بن المهدي قال للمأمون: يا أمير المؤمنين، ذنبي أعظم من أن يحيط به عذر، وعفوك أعظم من أن يتعاظمه ذنب.
يزدجرد: الملك الحازم من يؤخر العقوبة في سلطان الغضب.
سمع راهب رجلاً يستغفر فقال: مه؛ فقال: كيف أصنع؟ قال: ينبغي للعبد إذا ذكر ذنباً أن ييبس لسانه على حنكه من خشية الله.
كان أبو عاصم الأسلمي هجا الحسن بن زيد، فلما تقلد المدينة للمنصور طلبه، فأتاه في يوم قعد فيه للأعراب فقال:
ستأتي مدحتي الحسن بن زيد ... ويشهد لي بصفين القبور
قبور لو بأحمد أو علي ... يلوذ مجيرها حفظ المجير
هما أبواك من وضعا فضعه ... وأنت برفع من رفعا جدير
فقال له: من أنت؟ قال الأسلمي، قال: أذن حياك الله، وبسط له رداءه، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
خرج محمد بن البعيث بن حلبس الربعي على المتوكل، فأخذه وحبسه، فهرب من الحبس وعاد إلى ما كان عليه؛ فجىء به وقدم لتضرب عنقه؛ فقال له المتوكل يا محمد، ما حملك على ما صنعت؟ قال: الشقوة يا أمير المؤمنين، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وأن لي بك لظنين: أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو:
تضاءل ذنبي عند عفوك قلة ... فمن بعفو منك فالعفو أفضل
ولم أتوسم غير ما أنت أهله ... وأنك بي خير الفعالين تفعل
فعفا عنه.