قال: فلما كان في اليوم الرابع أو الخامس من هذا الحديث، قبض على علي بن عيسى، وسلم إلى أبي علي، وقلد الوزارة، فاعتمد الغض من أبي الحسن، فما قدر على ذلك بأكثر من المكاره، والمخاطبة له في وجهه بما يرتفع عنه أرباب المروءات.
فمن ذلك، إن هذا المخبر أخبرني، قال: حدثني أبو أحمد الشيرازي الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر قال: كنت بحضرة أبي علي بن مقلة يوماً في وزارته وقد دخل عليه علي بن عيسى فجلس بين يديه، وكان أبو عبد الله العلوي الموسوي حاضراً، وأبو علي الحسن بن هارون.
فقال أبو علي بن مقلة للحسن بن هارون: اكتب رقعة عن أبي عبد الله يصف فيها اختلال ضيعته، ويسأل فيها الاحتساب له بمظلمة، وإطلاق معونة له.
ففعل الحسن بن هارون ذلك في الحال، وعرض الرقعة، فوقع بإخراج الحال، وأنفذ إلى الكاتب بأن أخرج الحال مصدقاً لما في الرقعة.
ففعل ذلك .
فوقع تحت إخراج الحال بإطلاق عشرين كراً حنطة وعشرين كراً شعيراً معونة له، والاحتساب بما ذكر مبلغه في المظلمة، وقال لأبي علي الحسن ابن هارون: سلمه إلى أبي عبد الله.
قال، فاستحسن الحاضرون كرمه في ذلك على رجل علوي، وأخذ أبو الحسن علي بن عيسى يشكر له ذلك ويصوبه له.
فقال له مجيباً: فلم تفعل مثل هذا يا أبا الحسن في وزارتك؟.
قال، فنهض أبو الحسن، وقال: ستودع الله الوزير، ولم يجب بحرف واحد.
تزمت الوزير علي بن عيسى وتخشنه
ومن زماته أبي الحسن علي بن عيسى وتخشنه، أنه كان يجب أن يبين فضله في هذا على كل أحد، أخبرني به غير واحد: إن أبا عمر القاضي دخل يوماً في بعض وزاراته، وعلى أبي عمر قميص دبيقي سشتري فاخر، فأراد الحسن أن يخجله فقال له: يا أبا عمر بكم اشتريت شقة هذا القميص؟.
فقال: بمائتي دينار.
فقال أبو الحسن: ولكني اشتريت لي هذه الشقة التي قطعت منها هذه الدراعة وهذا القميص الذي تحتها بعشرين ديناراً.
فقال له أبو عمر مسرعاً كأنه قد أعد له الجواب: الوزير أعزه الله يجمل الثياب، ولا يحتاج إلى المبالغة فيها، ونحن نتجمل بالثياب، فنحتاج إلى المبالغةفيها لأنا نلابس العوام، ومن نحتاج إلى التفخيم عليه، وإقامة الهيبة في نفسه بها، والوزير أيده الله يخدمه الخواص، أكثر من خدمة العوام، ونعلم أنه يدع هذا عن قدرة.
قال: فكأنما ألقم أبا الحسن حجراً، وسكت عنه.
الوزير علي بن عيسى يفرض
على ملك الروم أن يحسن معاملة الأسارى المسلمين: حدثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن، قال حدثني مكرم ابن بكران، عن أبي يحيى بن مكرم القاضي، قال: كنت خصيصاً بأبي الحسن علي بن عيسى، وربما شاورني في شيء من أمره، قال: دخلت عليه يوماً وهو مغموم جداً، فقدرت أنه بلغه عن المقتدر أمر كرهه، فقلت هل حدث شيء؟ وأو مات إلى الخليفة.
فقال: ليس غمي من هذا الجنس، ولكن مما هو أشد منه.
فقلت: إن جاز أن أقف عليه فلعلي أقول فيه شيئاً.
فقال: نعم، كتب إلى عاملنا بالثغر، أن أسارى المسلمين في بلد الروم، كانوا على رفق وصيانة إلى أن ولي آنفاً، ملك الروم، حدثان، فعسفا الأسارى، وأجاعهم، وأعرياهم، وعاقباهم، وطالباهم بالتنصر، وأنهم في جهد جهيد، وبلاء شديد، وليس هذا مما لي فيه حيلة، لأنه أمر لا يبلغه سلطاننا، والخليفة لا يطاوعني، فكنت أنفق الأموال، وأجتهد، وأجهز الجيوش حتى تطرق القسطنطينية.
فقلت أيها الوزير، هاهنا رأي أسهل مما وقع لك، يزول به هذا.
فقال: قل يا مبارك.
فقلت: إن بانطاكية عظيماً للنصارى يقال له البطرك، وببيت المقدس آخر يقال له القاثليق، وأمرهما ينفذ على ملك الروم، حتى انهما ربما حرما الملك فيحرم عندهم، ويحلانه فيحل.
وعند الروم أنه من خالف منهم هذين فقد كفر، وأنه لا يتم جلوس الملك ببلد الروم إلا برأي هذين، وأن يكون الملك قد دخل إلى بيعتهما، وتقرب بهما، والبلدان في سلطاننا، والرجلان في ذمتنا، فيأمر الوزير بأن يكتب إلى عاملي البلدين بإحضارهما، وتعريفهما ما يجري على الأسارى، وإن هذا خارج الملك، وإنهما إن لم يزيلا هذا، لم يطالب بجريرته غيرهما، وينظر ما يكون من الجواب.
قال: فاستدعي كاتباً، وأملى عليه كتابين في ذلك، وأنفذهما في الحال، وقال: سريت عني قليلاً، وافترقنا.