فقال: نعم، إنه خاطبني بخطاب عظم به في عيني، وكبر به في نفسي، وعلمت صدقه فيه، فرجعت له، قال لي، وقد خلا بي: أيها الوزير، أنا رجل شيخ من شيوخ الكتاب، عارف بمقدار ما أحسنه من صناعة الكتابة، وتقصيري فيها عن الغاية، وليس يخفي علي ما يعاملني به الوزير من الغض والهتك والتعريض للفضيحة في الصناعة، ومخاطبة الكتاب في الديوان إذا أراد مهماً، ومخاطبتي إذا نزل معضل، ويجب أن يعلم الوزير أيده الله، أن حالي، ومالي، وباطني، أكثر مما يقع له، ويعرفه من ظاهري على كثرته، وأني ما أتصرف طلباً للفائدة، ولا خوفاً من الفقر، وإنما أريد الزيادة في الجاه، واتصال نفوذ الأمر والنهي، وقد عشت طول هذه السنين، آمراً، ناهياً، مستوراً في صناعتي، ما تعرض لي أحد من الوزراء، ولا تعرضت لهم، وسلمت عليهم، وسلموا علي، ومهما عمله الوزير في من الغض فليس يمكنه أن يزيل من نفوس الخاصة والعامة، أني خلفت إسماعيل بن بلبل على الوزارة، وتقلدت كذا وكذا، وأخذ يعدد كبار الأعمال التي وليها، وأن مثل هذا لا يناط بعاجز، ولا أن يستخرج من النفوس عظم محلي فيها، مع سعة الحال، وكثرة الضياع والمال، ولا يمكنه في طمس محلي أكثر مما قد عمله، وأنا بين أمور، إما توصلت إلى إزالة ذلك عني بما لعله يثقل على الوزير، وآثرت صفاء نيته فاستعفيت من العمل، ولزمت بيتي، فلم أكن فيه خاملاً ولا ساقطاً ثم حصلت حيث أختار، من الكون في جملة أولياء الوزير أو أعدائه، فإما أعفاني مما يستعمله معي، وردي الخبر إلى العادة التي يستحقها من نصب في مثل منصبي، أو أعفاني من العمل لألزم بيتي.
فقلت له: يا أبا عيسى، لن ترى بعد هذا شيئاً تنكره، ولن أكون لك إلا على أفضل محبتك، فبكر إلى ليبين لك مصداق ذلك.
فلما جاءني اليوم، عاملته بما رأيته.
حكايات عن وقار الوزير علي بن عيسى وزماتته
ويشبه قول علي بن عيسى لأخيه: إن كان فضولاً فلا تسل عنه، ما كان يبلغنا عنه من الزماتة الشديدة، والوقار العظيم، ومطالبة نفسه بإحتشام الخلق، واستعمال ذلك مع أهله وولده.
حدثني أبو الحسن بن الأزرق، قال: بلغني عن بعض أكابر ولده أنه دخل إليه في آخر عمره، وهو متسلق، فلما رأى ابنه جلس منتصباً.
وأخبرني أبي رحمه الله، وأبو الحسين بن عياش: أنهما كانا يشاهدان كانا أبا الحسن في آخر الأوقات في المجالس الحافلة، يجلس عند باب مفتوح، وبين البابين مسورة يستند إليها، وعلى الباب ستر قد أرخي حتى بلغ الأرض وغطى المسورة، وصار حجاباً بين الناس وبينها، وهو ملتزق بالستر احتشاماً للناس أن يستند بحضرتهم، وما زال الناس على هذا.
حكاية عن تزمت القاضي
أبي جعفر بن البهلول: حدثني أبو الحسن بن أبي طالب بن أبي جعفر بن البهلول، قال: كنت وأنا صبي، أجيء، وألعب، بحضرة جدي، فيصبح علي.
قال: ما دخلت إليه قط، وهو مكشوف الرأس، إلا أخذ القلنسوة من خلف مسورته، ولبسها، وجلس متزمتاً علي وسني إذ ذاك عشر سنين، أو حواليها، إلى أن أنصرف، فأراه إذا بعدت، وقد وضعها عن رأسه.
بين الوزير علي بن عيسى
والوزير أبي علي بن مقلة: ويشبه فعل أبي الحسين علي بن عيسى بأبي عيسى أخي صخرة، ما أخبرني به الثقة، قال: أخبرني جماعة من الكتاب، أنه بلغه أن المقتدر قد عمد على صرفه بأبي علي بن مقلة، وكان يخلفه إذ ذاك على عدة دواوين، فاستدعاه، وطالبه بأعمال يعملها له من الدواوين، فوعده بإحضارها.
فلما كان بعد أيام، خاطبه بحضرة الناس يريد الغض منه، فقال له: طلبت منك أعمالاً فما أحضرتها، وأنا أعلم تعذرها عليك، فإن كان الأمر كذلك، فأفصح عن نفسك.
فقال ابن مقلة: قد أحضرتها، ووضعها بين يديه.
فأخذ يقرؤه، ويعجب مشايخ الكتاب الحضور من خطائه فيها، ويوافقه على ضعف صناعته، ويفضحه في موضع يخرجه، ويقول له في عرض الخطاب؛ هذه حياكة: ليست كتابة، ويضرب على عمل عمل، وبرسم في أضعافه، كيف يجب أن يعمل، والكتاب الحاضرون يعجبون من حسن ما يورده أبو الحسن، وضعف ما أورده أبو علي، إلى أن ضرب على جميع أعمال، ثم قال له: قم فاعملها على هذا، وحررها، وجئني بها، فقام أبو علي يجر رجله.
فلما ولي عن حضرة أبي الحسن، قال: إن أمراً عجز عنه علي بن محمد بن الفرات، ونحن فيه مرتكبون، تقوم به أنت؟ لشيء عجيب.