FluentPlex

Table-Talk

لقمة بلقمة

Original text Public domain

Read with the dictionary

فما نمت ليلتي غماً على ما ذهب، وخشية الفقر، لأن مالي هذا سبيله، فأنا غنية فقيرة، فلم أدر ما أفعل.

فذكرت كونك ببغداد، وما بيننا وبينك، فجئتك، والذيأريده منك جاهك، تبذله لي، حتى تتخلص لي ما أخذ مني، وتبيع الباقي، وتحصل لي ثمنه مالاً، وتشتري به لي ولابنتي عقاراً، نقتات من غلته.

قال: فقلت: من أخذ منك الجوهر؟ فقالت: فلان.

فأحضرته، فجاءني، فاستخففت به، وقلت: هذه امرأة من داري، وأنا أنفذتها بالمتاع لأعرف قيمته، ولئلا يراني الناس أبيع شيئاً بدون قيمته، فلم تعرضتم لها؟ فقال: ما علمنا ذلك، ورسمنا - كما تعلم - لا نبيع شيئاً، إلا بمعرفة، ولما طالبناها بذلك اضطربت، فخشينا أن تكون لصة.

فقلت له: أريد الجوهر الساعة، فجاءني به، فلما رأيته عرفته، وكنت أنا اشترته لأبي الجيش بخمسة آلاف دينار.

فأخذته منهم، وصرفتهم.

وأقامت المرأة في داري، ونقلت ابنتها إلي، وأخرجت الجوهر، فألفته عقوداً، وعرضته، وتلطفت لها في بيعه بأوفر الأثمان، فحصل لها منه أكثر من خمسين ألف دينار.

فابتعت لها بذلك ضياعاً وعقاراً ومسكناً، فهي تعيش به وولدها، إلى الآن.

فنظرت، فإذا الجوهر لما كان معها بلا صديق، كان حجراً، بل كان سبباً لمكروه يجري عليها، وقد رشت على الخلاص منه دنانير، ولما وجدت صديقاً يعينها، حصل لها منه هذا المال الجليل.

فالصديق أفضل العقد.

فقال ابن الفرات: أجدت يا أبا عبد الله.

ثم قال لنا: الناس ينسبون هذا الرجل إلى الغفلة، وقد سمعتم ما يقول، فكيف يكون مثل هذا مغفلاً؟

المأمون ومحبته للجوهر

وقد حكي: أن المأمون كان محباً للجوهر، وكان الناس يغالون فيه، في أيامه، فأراد أن يحتال بحيلة تضع من قدره، ليرخص قيمته، فيشتريه.

فجمع أصحابه يوماً، وخاطبهم. فقال: ما أجل الذخائر؟ فتقرر رأيهم على الجوهر.

فقال: هاتم جوهرة، فجاءوا بواحدة شراؤها عليه مائة دينار.

فقال للجوهريين: كم تساوي هذه؟ قالوا: مائة دينار.

فقال: يا غلام، اكسرها قطعاً، فكسرت.

فقال: كم تساوي الآن؟ فقالوا: دانق فضة.

فأخرج ديناراً، فقال: كم يساوي هذا؟ قالوا: عشرين درهماً.

فقال: كسروه قطعاً، فكسر.

فقال: كم يساوي الآن؟ قالوا: تسعة عشر درهماً صحاحاً.

فقال: أجل الذخائر هذا الذي إذا كسر، لم يذهب من قيمته شيء.

قال: فانتشرت الحكاية بين من حضر من الجوهريين، ونقص نصف ثمنه على الحقيقة، وقلت رغبة أهل الدولة في شراءه.

أموي يتحدث عما أعانهم

في نكبتهم وحكي عن بعض بني أمية: أن المنصور سأله لما نكبهم، أي شيء كان أنفع لكم في هربكم؟ فقال: ما وجدنا شيئاً أنفع من الجوهر القليل الثمن، الذي تبلغ قيمة الحبة منه خمسة دنانير، لأنا استصحبنا الفاخر منه، والقريب الثمن، فما كنا نقدر على بيع الفاخر لشدة الطلب لنا، والخوف من أن يعرف به، فينبه علينا، ونؤخذ، وكان هذا اليسير الثمن، يشترى منا، من غير أن يعرف، فننتفع به، ويخفا أمرنا، فكان أنفع.

قال: فأي النساء وجدتم أفضل؟ قال: بنات العم، كن أصبر علينا، وأشفق.

قال: فأي الرجال، وجدتم أفضل؟ قال: الموالي.

قال: فأمر المنصور المهدي، أن يتزوج ابنة عمه، واتخذ المنصور مواليه عمالاً في أعماله، وقدمهم، ورفع منهم.

لقمة بلقمة

حدثني أبو بكر البسطامي، غلام ابن دريد، قال: كان لامرأة، ابن، غاب عنها، غيبة منقطعة.

فجلست تأكل يوماً، فحين قطعت لقمة، وأهوت بها إلى فيها، تصدق منها سائل وقف بالباب، فامتنعت من أكل اللقمة، وحملتها مع تمام الرغيف، فتصدقت بها، وبقيت جائعة.

وكانت شديدة الحذر على ابنها، والدعاء برده، فما مضت إلا ليل يسيرة على هذا الحديث، حتى قدم ابنها، فأخبر بشدائد مرت به عظيمة.

وقال: أعظم شيء مر على رأسي، أني كنت في وقت كذا، أسلك أجمة في البلد الفلاني، إذ خرج أسد، فقبض علي من حمار كنت فوقه، فغار الحمار فتشبكت مخالب السبع، في مرقعة كانت علي، فما وصلت إلي، وذهب عقلي، وجرني فأدخلني الأجمة.

فما هو إلا أن برك علي ليفترسني، حتى رأيت رجلاً عظيم الخلق، أبيض الوجه والثياب، وقد جاء حتى قبض على قفا الأسد، وشاله حتى خبط به الأرض، وقال: قم يا كلب، لقمة بلقمة. فقام السبع مهرولاً، وثاب إلي عقلي، وطلبت الرجل، فلم أجده.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account