فقال لهما: إن هذا - وأومأ إلى أبي زنبور - إن كان قد أمر بالسعاية، بوزير عامله، فكشف ستره في أيام نكبته، وسعى بمرفق أرفقه به في حال ولايته، وأبان بذلك عن قدر عقله، وأمانته، وعقل من يركن إليه مستأنفاً، فإنه قد صدق فيما أخبر به.
ولم أكن لأرتفق هذا منه، لأدع له شيئاً من مال السلطان، ولا لأمكنه من اقتطاعه، وكن لأمهله من وقت إلى آخر، وأزيد في إكرامه، ومخاطبته، وأرفهه عن إنفاذ المستحثين، ومن تلزمه عليهم المؤونة التي لا يجب الاحتساب بمثلها، وكلما يتفق الوزراء من العمال، قديماً، وحديثاً فهذا سبيله.
وإنما صودرت على ألف ألف وستمائة ألف دينار، أديتها صلحاً، عن هذا ومثله وشبهه، وإلا فأي شيء كان موجب مصادرتي إلا عن هذا وما يشبهه؟ فالمصادرة قد غسلت عني هذا كله. ولكن، قد وجب على أبي زنبور من هذا المرفق، باعترافه لمدة عطلتي وحبسي، وهي ستة عشر شهراً، مائة ألف وستون ألف دينار.
فإن كان أرفق الوزير أعزه الله بها، فقد سقطت عنه، والكلام فيها بين الخلفة والوزير، وإن كان لم يحملها إليه، فيجب الآن أن يحملها إلى أمير المؤمنين.
قال: فقام شفيع في الحال.
فقال له علي بن عيسى: إلى أين يا أبا اليسر؟ قال: إلى مولانا، أحكي له ما جرى، فإنه أنفذني لهذا السبب، وأمرني به ومضى.
وحمل ابن الفرات إلى حبسه.
فعاد شفيع وقال: يقول لكم مولانا، لا يبرح أحد منكم، أو تحمل إلي هذه المائة ألف وستون ألف دينار، كيف شئتم.
فقال علي بن عيسى: جئنا به لنصادره، فصادرنا.
فألزموا أبا زنبور معظم المال، وعاونوه بشيء تحمل قسطه حامد، وعلي بن عيسى.
وضمنوا المال، ثم انصرفوا.
؟أفضل ما يخلف المرء لعقبه
صديقاً وفياً
حدثني أبو القاسم الجهني، قال: كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات، وابن الجصاص حاضر، فتذاكروا ما يعتقده الناس لأولادهم.
فقال ابن الفرات: ما أجل ما يعتقده الناس لأعقابهم؟ فقال بعض من حضر: الضياع.
وقال بعضهم: العقار.
وقال آخرون: المال الصامت.
وقال آخرون: الجواهر الخفيفة الثمن، فإن بني أمية سئلوا: أي الأموال كانت أنفع لكم في نكبتكم؟ فقالوا: الجوهر الخفيف الثمن، كنا نبيعه، فلا نطالب بمعرفة، ولا يتنبه علينا به، والواحدة منه أخف محملاً من ثمنها، وابن الجصاص ساكت.
فقال له ابن الفرات، كالمستهزئ به: ما تقول أنت يا أبا عبد الله؟ فقال: أجل ما يعتقده الناس لأولادهم، الصنائع والإخوان، فإنهم إن اعتقدوا لهم ضياعاً، أو عقاراً، أو صامتاً، من غير إخوان، ضاع ذلك وتمحق، وأحدث الوزير أعزه الله بحديث جرى منذ مدة، يعلم معه صدق قولي.
فقال له ابن الفرات: ما هو؟ فقال: الناس يعلمون أني صنيعة أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وكان رجلاً مستهتراً بالجوهر، يعتقده لنفسه، وأولاده، وجواريه.
فكنت جالساً يوماً في داري، فجاءني بوابي، فقال: بالباب امرأة تستأذن، في زي رث، فأذنت لها، فدخلت، فقالت لي: تخلي لي مجلسك، فأخليته.
فقالت لي: أنا فلانة، جارية أبي الجيش.
فحين قالت ذلك، ورأيت صورتها، عرفتها، وبكيت لما شاهدتها عليه، ودعوت غلماني ليحضروني ما أغير به حالها.
فقالت: لا تدع أحداً، فإني أظنك دعوته لتغيير حالي، وأنا في غنية وكفاية، ولم أقصدك لذلك، ولكن لحاجة هي أهم من هذا.
فقلت: ما هي؟ فقالت: تعلم أن أبا الجيش، لم يكن يعتقد لنا إلا الجوهر، فلما جرى علينا بعده من طلب السلطان، ما جرى، وتشتتنا، وزال عنا ما كنا فيه، كان عندي جوهر قد سلمه إلي، ووهبه لي، ولابنته مني فلانة، وهي معي هاهنا.
فخشيت أن أظهره بمصر فيؤخذ مني، فتجهزت للخروج، وخرجت على هيئة زرية، مستخفية، وابنتي معي، فسلم الله تعالى، ووصلنا هذا البلد، وجميع مالنا سالم.
فأخرجت من الجواهر شيئاً، قيمته على أبي الجيش خمسة آلاف دينار، وصرت به إلى سوق الخرازين فبلغ ألفي دينار.
فقلت: هاتم.
فلما أحضروا المال، قالوا: أين صاحب المتاع؟ قلت: أنا هي.
قالوا: ليس محلك أن يكون هذا لك، وأنت لصة، فتعلقوا بي وجذبوني، ليحملوني إلى صاحب الشرطة.
فخشيت أن أقع في يديه فأعرف، فيؤخذ الجوهر، وأطالب أنا بمال، فأخرج الباقي.
فرشوت القوم بدنانير يسيرة كانت معي، وتركت الجوهر عليهم، وأفلت.