FluentPlex

Table-Talk

يقال إن جميع الغوالي استعملت في الوحل

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

فقال: ويحك، أنا أبصر بما أقوله، أنا رجل قد سست الأمور، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد، ولا بد من موتي، وأعلم أن الناس بعد موتي لا يختارون إلا ولدي، وأنهم سيجلسون ابن علياً - يعني المكتفي - وما أظن عمره يطول، للعلة التي به، قال صافي: يعني الخنازير التي كانت في حلقه، فيتلف عن قريب، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي، ولا يجدون بعده منهم أكبر من جعفر، فيجلسونه وهو صبي، وله من الطبع في السخاء، هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثلما أكل، وساوى بينه وبينهم، في شيء عزيز في العالم، والشح على مثله في طباع الصبيان، فتحتوي عليه النساء، لقرب عهده بهن، فيقسم ما جمعته من الأموال، كما قسم العنب، ويبذر ارتفاع الدنيا ويخربها، فتضيع الثغور، وتنتشر الأمور وتخرج الخوارج، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلاً.

فقلت: يا مولاي بل يبقيك الله، حتى ينشأ في حياتك، ويصير كهلاً في أيامك، ويتأدب بآدابك، ويتخلق بخلقك، ولا يكون هذا الذي ظننت.

فقال: احفظ عني ما أقوله، فإنه كما قلت.

قال: ومكث يومه مهموماً.

وضرب الدهر ضربه، ومات المعتضد، وولي المكتفي، فلم يطل عمره، ومات، وولي المقتدر، فكانت الصورة كما قال المعتضد بعينها.

فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر وهو يشرب، ورأيته قد سكر ودعا بالأموال، فأخرجت إليه، وحلت البدر، وجعل يفرقها على الجواري والنساء، ويلعب بها، ويمحقها، ويهبها، ذكرت مولاي المعتضد، وبكيت.

قال: وقال صافي: كنت يوماً واقفاً على رأس المعتضد، فأراد أن يتطيب، فقال: هاتم فلاناً الطيبي، - خادم يلي خزانة الطيب - فأحضر.

فقال له: كم عندك من الغالية؟ فقال: نيف وثلاثون حباً صينياً، مما عمله عدة من الخلفاء.

فقال: فأيها الطيب؟ قال: ما عمله الواثق.

قال: أحضرنيه.

فأحضره حباً عظيماً، يحمله خدم عدة، بدهق ومصقلة، ففتح، فإذا الغالية قد ابيضت من التعشيب، وجمدت من العتق، في نهاية الذكاء.

فأعجبت المعتضد، وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحب، فأخذ من لطاخته شيئاً يسيراً، من غير أن يشعث رأس الحب، وجعله في لحيته، وقال: ما تسمح نفسي بتطريق التشعيث على هذا الحب، شيلوه، فرفع.

ومضت الأيام، فجلس المكتفي للشرب يوماً، وهو خليفة، وأنا قائم على رأسه، فطلب غالية، فاستدعى الخادم، وسأله عن الغوالي، فأخبره بمثل ما كان أخبر به أباه.

فاستدعى غالية الواثق، فجاءه بالحب بعينه، ففتح، فاستطابه، وقال: أخرجوا منه قليلاً، فأخرج منه مقدار ثلاثين أو أربعين مثقالاً، فاستعمل منه في الحال ما أراده، ودعا بعتيدة له، فجعل الباقي فيها، ليستعمله على الأيام.

وولي المقتدر الخلافة، وجلس مع الجواري يشرب يوماً وكنت على رأسه، فأراد أن يتطيب، فاستدعى الخادم، وسأله، فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه.

فقال: هات الغوالي كلها، فأحضرت الحباب كلها، فجعل يخرج من كل حب، مائة مثقال، وخمسين، وأقل، وأكثر، فيشمه ويفرقه على من بحضرته، حتى انتهى إلى حب الواثق، فاستطابه.

فقال: هاتم عتيدة.

فجاءوه بعتيدة، وكانت عتيدة المكتفي بعينها، ورأى الحب ناقصاً، والعتيدة فيها قدح الغالية، ما استعمل منه كثير شيء.

فقال: ما السبب في هذا؟ فأخبرته بالخبر على شرحه، فأخذ يعجب من بخل الرجلين، ويضع منهما بذلك.

ثم قال: فرقوا الحب بأسره على الجواري، فما زال يخرج منها أرطالاً، وأنا أتمزق غيظاً، وأذكر حديث العنب، وكلام مولاي المعتضد، إلى أن مضى قريب من نصف الحب.

فقلت له: يا مولاي، إن الغالية أطيب الغوالي وأعتقها، ولا يعتاض منها، فلو تركت منها لنفسك، وفرقت الباقي من غيرها كان أولى.

قال: وجرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد، فاستحى مني، ورفع الحب.

فما مضت إلا سنتين من خلافته، حتى فنيت تلك الغوالي، واحتاج إلى أن عجن غالية بمال عظيم.

يقال إن جميع الغوالي استعملت في الوحل

الذي عملته السيدة أم المقتدر: أخبرني غير أبي علي: إن تلك الغوالي كلها، وما كان في الخزائن من المسوك والعنابر، استعمل كله في الوحل الذي كانت السيدة عملته.

وخبر الوحل مستفيض على ألسنة العوام، فلا وجه للإطالة بذكره.

ورأيت، أهل العلم والخبرة بأمور الخلافة وأخبارها، يكذبون بذلك تكذيباً شديداً، فلم أورده لهذا السبب.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا