FluentPlex

Table-Talk

أبو عمر القاضي يقلد ابنا لأحمد بن حنبل

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

وكان أبو أمية يخرج في كل عشية من داره في مربعة الأحنف، وعليه مئزر، وعلى ظهره رداء خفيف، وفي رجليه نعلان كنباتي ثخان، ، وبيده مروحة، وهو قاضي البصرة، والأبلة، وكور دجلة، وكور الأهواز، وواسط، وأعمال ذلك، فيمشي حوله من يتفق أن يكون في الوقت من غير تعمل، حتى ينتهي إلى موضع حلقة أبي يحيى زكريا الساجي، فيجلس إليه، وربما سبقه، وجاء أبو يحيى، وجلسا يتحدثان، ويجتمع إليهما أترابهما، وإخوانهما القدماء، فيستعملون من التخالع والانبساط في الحديث، والمزح، وما ليس بقليل.

ويجيء سعيد الصفار، وكان يخلف أبا أمية على البصرة، بقلنسوة عظيمة، وقميص، وخف، وطيلسان، فيسلم عليه بالقضاء، ويشاوره في الأمور، فيقول له: قم عني، لا يجتمع علي الناس، لا تقطعني عن لذتي بمحادثة إخواني القدماء، قم إلى مجلسك.

فيقوم سعيد، فيجلس بالبعد منه في الجامع، في موضع برسمه، ينظر بين الناس.

وما كان ذاك يغض من قدره عند الناس، وكانت سيرته أحسن سيرة، واستعمل من العفة عن الأموال، ما لم يعهد مثله.

وكان ديوان وقوف البصرة إذ ذاك ببغداد، فإذا أراد أحد أربابها شيئاً، خرجوا إلى بغداد حتى يوردوا الأمر فيه من الحضرة، فلحق الناس مشقة، فنقل أبو أمية ديوانها إلى البصرة، فكثر الدعاء له، وصارت سنة، وبقي الديوان بالبصرة.

وكان - مع هذا - يتيه على ابن كنداج، وهو أمير البصرة، ولا يركب إليه مرة، إلا إذا جاء ابن كنداج مرة، ويعترض على ابن كنداج.

في الأمور، ويسمع الظلامات فيه، وينفذ إليه في إنصاف المتظلم، فيضج ابن كنداج من يده، ويكتب إلى ابن الفرات في أمره، فترد عليه الأجوبة بالصواعق، ويأمره بالسمع والطاعة، فيضطر إلى مداراته، والركوب إليه، وتلافيه.

فقبض على ابن الفرات، وأبو أمية لا يعلم، وورد كتاب على الطائر - بذلك - إلى ابن كنداج، فركب بنفسه في عسكره إلى أبي أمية، فقدر أنه قد جاء مسلماً، فخرج إليه، فقبض عليه، ومشاه بين يديه، طول الطريق، إلى داره ببني نمير، حتى أدخله السجن، من تحت الخشبة فأقام فيه مدة، ثم مات.

ولم يسمع بقاض أدخل السجن من تحت الخشبة غيره، ولا بقاض مات في السجن سواه.

ثم ولي ابن الفرات الوزارة أيضاً، فحين جلس، سأل عن أصحابه، وصنائعه، وسأل عن أبي أمية، فعرف ما جرى عليه، ووفاته، فاغتم لذلك.

وقال: فاتني بنفسه، فهل له ولد أقضي فيه حقه؟ فقالوا: ابن رجل.

فكتب بحملة إليه مكرماً، فحمل.

فلما دخل عليه، وجد سلامه سلام متخلف، فقال له: ما اسمك؟ قال أبو غشان، وكانت لثغته كذا، ولم يفرق لتخلفه بين الاسم والكنية.

فقال ابن الفرات: عزيز علي أن لا أقضي حق أبي أمية، في نفسه، ولا في ولده، وكيف أقلد هذا القضاء؟ فوصله بمال جزيل، وأمر بإجراء أرزاق عظيمة عليه، وصرفه إلى بلده، وكان يأخذها إلى أن زال أمر ابن الفرات.

أبو عمر القاضي يقلد ابناً لأحمد بن حنبل

القضاء ثم يصرفه: حدثني أبو نصر أحمد بن عمرو البخاري القاضي، قال: حدثني جماعة من ثقات أهل بغداد.

إن أبا عمر القاضي قلد ابناً لأحمد بن حنبل القضاء.

فتظلم إليه منه، وذكر عنده بشناعات لا يليق مثلها بالقضاة، فأراد صرفه.

فعوتب على ذلك، وقيل: إن مثل هذا الرجل لا يجوز أن يكون ما رمي به صحيحاً، فإن كان صح عندك، وإلا فلا تصرفه.

فقال: ما صح عندي، ولا بد من صرفه.

فقيل: ولم؟ قال: أليس قد احتمل عرضه، أن يقال فيه مثل هذا، وتشبهت صورته بصورة من إذا رمي بهذا جاز أن يتشكك فيه؟ والقضاء أرق من هذا فصرفه.

أبو خازم القاضي يغضب

إذا سمع مدحاً للقاضي بأنه عفيف حدثني أبو الحسين بن عياش القاضي، عمن حدثه: إنه كان يساير أبا خازم القاضي في طريق، فقام إليه رجل، فقال: أحسن الله جزاءك أيها القاضي، في تقليدك فلاناً القضاء ببلدنا، فإنه عفيف.

فصاح عليه أو خازم، وقال: اسكت عافاك الله، وتقول في قاض إنه عفيف، هذه من صفات أصحاب الشرط، والقضاة فوقها.

قال: ثم سرنا، وهو واجم ساعة.

فقلت: ما لك أيها القاضي؟ قال: ما ظننت أني أعيش حتى اسمع هذا، ولكن فسد الزمان، وبطلت هذه الصناعة، ولعمري إنه قد دخل فيها من يحتاج القاضي معه إلى التقريظ، وما كان الناس يحتاجون أن يقولوا: فلان القاضي عفيف، حتى تقلد فلان، وذكر رجلاً لا أحب أن أسميه.

فقلت: من الرجل؟ فامتنع.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا