وظيفة الوزير أبي الفرج بن فسانجس
من اللحم في كل يوم: وأخبرني بعض وكلائه وزراء هذا الزمان، وهو أبي الفرج بن فسانجس: إن وظيفة كانت، في أيام وزارته، في كل يوم، نيف وستين رطلاً لحماً، له، ولنسائه وغلمانه، وجميع ما يتخذ في دوره، وثلاثة جدي، وعشر دجاجات، وأربعة أو خمسة أفرخ، وثلاث جامات حلوى من السوق، وليست من فاخره، وإنما هي زلابية دقيقة، أو فالوذج، أو ما يجري مجرى ذلك.
كفى بالأجل حارساً
سمعت قاضي القضاة، أبا السائب، يحكي: إن رجلاً كان له على رجل دين، فهرب منه، فلقيه صاحب الدين في صحراء فقبض عليه، وأخرج قيداً كان معه، فقيده ونفسه به، وجعل إحدى الحلقتين في رجل غريمه، والأخرى في رجل نفسه، ومشيا إلى قرية تقرب من الموضع، فجاءاها، وقد أدركهما المساء، وأغلق أهل القرية باب سورها، فاجتهدا في فتحها لهما، فأبى أهل القرية، فباتا في مسجد خراب على باب القرية، فجاء السبع وهما نائمان، فقبض على صاحب الدين فافترسه، وجره، فانجر الغريم معه، فلم تزل تلك حاله إلى أن فرغ السبع من أكل صاحب الدين، وشبع، وانصرف، وترك المديون وقد تجرح من جره وسحبه عليه، وبقيت ركبة الغريم في القيد، فحملها الرجل مع قيده، وجاء إلى القرية، فأخبرهم الخبر، حتى حلوا قيده، وسار لوجهه ذلك.
عريان أعزل يصيد الأسد
حدثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيار: إن رجلاً أجنة الليل في بعض أسفاره، فبات في خان خراب، بقرب أجمة، وماء مستنقع، وكانت ليلة قمراء، وكان الموضع مسبعاً، والرجل عارف بذلك، فرقي سطح الخان، وطلب لبناً فشرجه على باب الدرجة، وجلس يترقب، فإذا رجل عريان، قد جاء حتى جلس على الماء.
قال: فقلت له: ما تصنع؟ قال: جئت لأصطاد السباع.
فقلت: يا هذا اتق الله في نفسك.
فقال: الساعة ترى.
فلم يلبث هنيهة، أن طلع سبع، فتراءى له الرجل، فصاح به، فقصده: فلما قرب منه، طرح الرجل نفسه في الماء، فرمى السبع بنفسه خلفه في الماء، فغاصا، فإذا الرجل قد خرج من وراء السبع، وعلق خصييه بيده، ثم أخرج من منديل على رأسه، قصبة مقدار ذراع، مجوفة، فارسية، وثيقة، نافذة، فدسها في جاعرة السبع، وأقبل يدخل فيها الماء بإحدى يديه، وكلما دخل جوف الأسد الماء ثقل، وضعف بطشه، وهو يمرس مع ذلك خصاه، إلى أن غرقه، وقتله.
ثم جره في الماء فأخرجه إلى الشط، وسلخ جلده، وأخذ جبهته، وكفه، وشحمه، ومواضع يعرفها منه لها ثمن.
ثم صاح بي: يا شيخ، كذا أصطاد السباع.
وتركني ومضى.
لئيم يفخر بلؤمه
حدثني أبو القاسم عبد الله بن محمد بن مهرويه، بن أبي علان الأهوازي الكاتب، خال والدي، قال: كانت بيني وبين أبي جعفر بن قديدة، عداوة، وكنت قد تبت من التصرف مع السلطان.
فتقلد ضياع السيدة أم المقتدر، وفيها ما يجاوز ضيعتي، فآذاني أذى شديداً، في الشرب، والأكرة، وقصد إخراب ضيعتي، وإبطال جاهي فصبرت عليه.
فقبض يوماً على أكار لي، فصفعه صفعاً عظيماً، فأنفذت إليه كاتباً كان يكتب لي على ضيعتي، يعرف بأبي القاسم على بن محمد بن خربان، ليعاتبه، ويستكفه، ويأخذ الأكار، فتلقى الرجل بكلام غليظ.
فعاد إلي، فقال: إن هذا قد جدبك، فخذ حذرك، ودبر أمرك بغير ما أنت فيه.
فقلت: ما الخبر؟ فعرفني ما جرى عليه.
ففكرت، فلم أر لحسم مادته، وأذيته في نفسه، غير ضمان ضياع السيدة، وتسلمه، ومطالبته بالحساب، وإيقاعه في المكاره.
فكتبت إلى كاتب السيدة، وخطبت ضمان النواحي، بزيادة ثلاثين ألف دينار في ثلاث سنين، عما رفعها ابن قديدة، على أن تسلم إلي، لأحاسبه وأطالبه، بما يخرجه الحساب عليه، وأوفره، مضافاً إلى هذه الزيادة.
وأنفذت الكتاب مع فيج قاصد.
فحين نفذ، اغتممت، وقلت: ضياع لا أعرف حاصلها على الحقيقة، لم حملت نفسي على هذا؟ وكان احتمال عداوة الرجل، أيسر من هذا.
وطرحت نفسي مفكراً، وأنا بين النائم واليقظان، حتى رأيت، كأن رجلاً شيخاً، أبيض الرأس واللحية، بزي القضاة، قد دخل إلي وعليه طيلسان أزرق، وقلنسوة، وخف أحمر.
فقال: ما الذي يغمك من هذا الأمر؟ ستربح في أول سنة من هذا الضمان، على ما زدته، عشرة آلاف دينار، وتخسر في الثانية، عشرة، وتخرج في الثالثة بغير ربح ولا خسران، ويكون تعبك بإزاء اشتفائك من عدوك.