قال: إن الحجاج قال: كيت و كيت، فإن لم أحضرك إليه ميتاً، قتلني، و علم أني أردت الحيلة عليه، و لا بد أن أقتلك خنقاً.
فبكى بلال، و سأله أن لا يفعل، فلم يكن إلى ذلك طريق، فأوصى و صلى، فأخذه السجان، و خنقه، و أخرجه إلى الحجاج ميتاً.
فلما رآه ميتاً، قال: سلمه إلى أهله.
فأخذوه، و قد اشترى القتل لنفسه بعشرة آلاف درهم، و رجعت الحيلة عليه .
دخلت باب الهوى
أنشدنا التنوخي، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن العباس الإخباري ، قال: أنشدنا نصر بن أحمد الخباز البصري لنفسه:
لما جفاني من كان لي أنساً ... أنست شوقاً بعض أسبابه
كمثل يعقوب بعد يوسف إذ ح ... ن إلى بعض أثوابه
دخلت باب الهوى و لي بصر ... و في خروجي عميت عن بابه
طفيلي لا ينشط إلا عند نهيأة الطعام
قال علي بن المحسن بن علي القاضي، عن أبيه، قال: صحب طفيلي، رجلاً في سفر، فقال له الرجل: امض فاشتر لنا لحماً.
قال: لا و الله، ما اقدر، فمضى هو فاشترى.
ثم قال له: قم فاطبخ.
قال: لا أحسن، فطبخ الرجل.
ثم قال له: قم فاثرد.
قال: أنا و الله كسلان، فثرد الرجل.
ثم قال له: قم و اغرف.
قال: أخشى أن ينقلب على ثيابي، فغرف الرجل.
ثم قال له: قم الآن، فكل.
قال الطفيلي: قد و الله استحييت من كثرة خلافي لك.
و تقدم فأكل .
كيف استعاد التمار أمواله
أنبأنا محمد بن عبد الباقي ، قال: أخبرنا علي بن المحسن، عن أبيه، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد الصروي ، قال: حدثني ابن الدنانير التمار، قال: حدثني غلام لي قال: كنت ناقداً بالأبلة ، لرجل تاجر، فاقتضيت له من البصرة نحو خمسمائة دينار، و ورقاً ، و لففتهما في فوطة، و أمسيت، و لم يمكنني المسير إلى الأبلة.
فما زلت أطلب ملاحاً فلا أجد، إلى أن رأيت ملاحاً مجتازاً في خيطتة خفيفة فارغة، فسألته أن يحملني.
فخفف علي الأجرة، و قال: أنا راجع إلى منزلي بالأبلة، فانزل.
فنزلت، و جعلت الفوطة بين يدي، و سرنا.
فإذا رجل ضرير على الشط، يقرأ أحسن قراءة تكون، فلما رآه الملاح كبر، فصاح هو بالملاح، احملني، فقد جنني الليل، و أخاف على نفسي، فشتمه الملاح.
فقلت له: احمله.
فدخل إلى الشط فحمله، فرجع إلى قراءته، فخلب عقلي بطيبها.
فلما قربنا من الأبلة، قطع القراءة، و قام ليخرج في بعض المشارع بالأبلة، فلم أر الفوطة.
فاضطربت، و صحت، و استغاث الملاح، و قال: الساعة تنقلب الخيطية، و خاطبني خطاب من لا يعلم حالي.
فقلت: يا هذا، كانت بين يدي فوطة فيها خمسمائة دينار.
فلما سمع الملاح ذلك، لطم، و بكى، و تعرى من ثيابه، و قال: لم أدخل الشط، و لا لي موضع أخبئ فيه شيئاً فتتهمني بسرقته، و لي أطفال، و أنا ضعيف، فالله، الله، في أمري، و فعل الضرير مثل ذلك.
و فتشت السميرية، فلم أجد فيها شيئاً، فرحمتهما، و قلت: هذه محنة لا أدري كيف التخلص منها.
و خرجنا، فعملت على الهرب، و أخذ كل واحد منا طريقاً، و بت في بيتي، و لم أمض إلى صاحبي.
فلما أصبحت، عملت على الرجوع إلى البصرة، لأستخفي بها أياماً ثن أخرج إلى بلد شاسع.
فانحدرت، و خرجت في مشرعة بالبصرة، و أنا أمشي، و أتعثر، و أبكي، قلقاً على فراق أهلي و ولدي، و ذهاب معيشتي و جاهي.
فاعترضني رجل، فقال: ما لك؟ فأخبرته.
فقال: أنا أرد عليك مالك.
فقلت: يا هذا، أنا في شغل عن طنزك بي.
قال: ما أقول إلا حقاً، امض إلى السجن ببني نمير ، و اشتر معك خبزاً كثيراً، و شواءً جيداً، و حلوى، و سل السجان أن يوصلك إلى رجل محبوس هناك، يقال له: أبو بكر النقاش، قل له: أنا زائره، فإنك لا تمنع، و إن منعت، فهب للسجان شيئاً يسيراً، يدخلك إليه.
فإذا رأيته، فسلم عليه، و لا تخاطبه، حتى تجعل بين يديه ما معك، فإذا أكل، و غسل يديه، فإنه يسألك عن حاجتك، فأخبره خبرك، فإنه سيدلك على من أخذ مالك، و يرتجعه لك.
ففعلت ذلك، و وصلت إلى الرجل، فإذا شيخ مكبل بالحديد، فسلمت، و طرحت ما معي بين يديه، فدعا رفقاء له، فأكلوا.
فلما غسل يديه، قال: من أنت، و ما حاجتك؟ فشرحت له قصتي.