بلغنا عن المعتضد بالله، أن خادماً من خدمه جاء يوماً، فأخبره أنه كان قائماً على شاطئ الدجلة، في دار الخليفة، فرأى صياداً، و قد طرح شبكته فثقلت بشيء، فجذبها، فأخرجها، فإذا فيها جراب، و أنه قدره مالاً، فأخذه، و فتحه، و إذا فيه آجر، و بين الآجر، كف مخضوبة بحناء.
قال: فأحضر الجراب و الكف و الآجر.
فهال المعتضد ذلك، و قال: قل للصياد يعاود طرح الشبكة، فوق الموضع، و أسفله، و ما قاربه.
قال: ففعل، فخرج جراب آخر فيه رجل.
قال: فطلبوا، فلم يخرج شيء آخر.
فاغتم المعتضد، و قال: معي في البلد من يقتل إنساناً و يقطع أعضاؤه، و يغرقه، و لا أعرف به؟ ما هذا ملك.
قال: و أقام يومه كله، ما طعم طعاماً.
فلما كان من الغد، أحضر يقول له، و أعطاه الجراب فارغاً، و قال له: طف على كل من يعمل الجرب ببغداد، فإن عرفه منهم رجل، فسله على من باعه؟ فإن دلك عليه، فسئل المشتري، من اشتراه منه؟ و لا تقر على خبره أحد.
قال: فغاب الرجل، و جاءه بعد ثلاثة أيام، فزعم أنه لم يزل يتطلب في الدباغين و أصحاب الجرب، إلى أن عرف صانعه، و سأل عنه، فذكر أنه باعه على عطار بسوق يحيى ، و أنه مضى إلى العطار، و عرضه عليه، فقال: ويحك، كيف وقع هذا الجراب في يدك؟ فقلت: أو تعرفه؟ قال: نعم، اشترى مني فلان الهاشمي منذ ثلاثة أيام عشرة جرب، لا أدري لأي شيء أرادها، و هذا منها.
فقلت له: و من فلان الهاشمي؟ فقال: رجل من ولد علي بن ريطة، من ولد المهدي ، يقال له: فلان، عظيم، إلا أنه شر الناس، و أظلمهم، و أفسدهم لحرم المسلمين، و أشدهم تشوقاً إلى مكايدهم، ليس في الدنيا من ينهي خبره إلى المعتضد، خوفاً من شره، و لفرط تمكنه من الدولة و المال.
و لم يزل يحدثني و أنا أسمع أحاديث له قبيحة، إلى أن قال: فحسبك أنه كان يعشق منذ سنين، فلانة المغنية، جارية فلانة المغنية، و كانت كالدينار المنقوش، و كالقمر الطالع، في غاية حسن الغناء، فساوم مولاتها فيها، فلم تقاربه.
فلما كان منذ أيام، بلغه أن سيدتها تريد بيعها على مشتر قد حضر، و بذل فيها ألوف الدنانير، فوجه إليها: لا أقل من أن تنفذيها إلي لتود عني.
فأنفذتها إليه، بعد أن أنفذ إليها جذرها لثلاثة أيام.
فلما انقضت الأيام الثلاثة، غصبها عليها، و غيبها عنها، فما يعرف لها خبر، و ادعى أنها هربت من داره.
و قال الجيران: إنه قتلها، و قال قوم: لا بل هي عنده، و قد أقامت سيدتها عليها المأتم، و جاءت، و صاحت على بابه، و سودت وجهها، فلم ينفعها شيء.
فلما سمع المعتضد، سجد شكراً لله تعالى، على انكشاف الأمر له، و بعث في الحال من كبس على الهاشمي، و أحضر المغنية، و أخرج اليد، و الرجل، إلى الهاشمي، فلما رآهما امتقع لونه، و أيقن بالهلاك، و اعترف.
فأمر المعتضد بدفع ثمن الجارية إلى مولاتها، من بيت المال، و صرفها. ثم حبس الهاشمي، فيقال: إنه قتله، و يقال: مات في الجنس .
مسرور السياف و الوزير جعفر البرمكي
أنبيت عن المؤيد بن محمد الطوسي، و غيره، عن أبي بكر أبي طاهر الأنصاري، عن ابي القاسم علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، عن أبي الفرج الأصبهاني ، قال: حدثني جعفر بن قدامة ، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي، قال: سمعت مسرور الأمير يحدث، قال: لما أمرني الرشيد بقتل جعفر ابن يحيى ، دخلت عليه، و عنده الأعمى المغني الطنبوري ، يغنيه:
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي
فقلت له: في هذا و اله أتيتك، ثم أخذت بيده، فأقمته، و أمرت بضرب رقبته.
فقال الأعمى المغني: نشدتك الله، إلا ألحقتني به.
فقلت: و ما رغبتك في ذلك؟ فقال: إنه أغناني عن سواه بإحسانه، فما أحب أن أبقى بعده.
فقلت: استأمر أمير المؤمنين في ذلك.
فلما أتيت الرشيد، برأس جعفر، أخبرته بقصة الأعمى، فقال: هذا رجل فيخ مصطنع، فاضممه إليك، و أنكر إلى ما كان جعفر يجريه عليه، فأقمه له.
أبو يوسف القاضي و فتواه الحاسمة
حدثنا علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، قال: حدثني أبي قال: كان عند الرشيد جارية من جواريه، و بحضرته عقد جوهر، فأخذ يقلبه، ففقده، فاتهمها، فسألها عن ذلك، فأنكرت.
فحلف بالطلاق و العتاق، و الحج، لتصدقنه، فأقامت على الإنكار، و هو متهم لها.